مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٦٩يمكن التمرّد عليها وعلى أصحابها بل إنّ المفتي «بعد تبيّن جهله وخلطه» إن «أفتى وليس بأهل للفتوى فهو آثم وعاص ومن أقرّه من ولاة الأمور على ذلك فهو عاص أيضا»(1)، وكأنّ القرضاوي بذلك يريد أن يحافظ لا على تقليد الإفتاء كما أرساه السلف وكرّسه الخلف فحسب بل أيضا على التحالف التاريخي بين الفقيه المفتي والسلطان، لذلك صنّف كلّ من يتجاوز سلطة العلماء الرسميين من الساسة، ويحاول تغييرها بمرجعية جديدة من العصاة الخائبين في الدنيا والآخرة.
وحتّى يتأكّد حقّ النخبة العالمة في الإفتاء دون غيرها عمل القرضاوي على تقديم «المفتي الجديد المتمرّد» في صورة تهجينية تدعو إلى الإنكار، إذ أنّ «كثير من هؤلاء ليسوا من «أهل الذكر» في علوم الشريعة، ولا كلّف نفسه أن يجلس إلى أهل الذّكر ويأخذ عنهم، ويتخرّج على أيديهم، إنّما كوّن ثقافته من قراءات سريعة في كتب المعاصرين، أمّا المصادر الأصلية فبينه وبين قراءتها مائة حجاب»(2). ولئن سلّمنا بوجود هذه الشريحة من «المفتين الجهلة السذّج» فإنّ هذا التوصيف لا يمكن أن يجيب عن أسباب أزمة «الإفتاء» اليوم، لأنّ عددا كبيرا من خريجي الجامعات والمحرزين على شهادات عليا (ماجستير ودكتوراه) ومن أساتذه الجامعات المرموقين يصدرون بدورهم فتاوى غريبة تكفّر الآخر وتفسّقه وتبدّعه وتقيم عليه الحدود وتدعو العامّة على مضايقته وتخليص الأمّة من فساده، ولنا في التجربة المصرية خير مثال على ذلك إذ لا شغل لشريحة كبيرة من علماء الدين والمثقفين الجامعيين إلاّ توسيم هذا أو ذاك بوسام كفر أو ضلال فيقيمون عليه الدعاوى القضائية وربّما أقاموا عليه الحدّ فأخرجوه عن «دار الإسلام» على رحابتها، وربّما فرّقوا بينه وبين زوجته كما حصل مع نصر حامد أبو زيد(3) وغيره(4).
(1) ـ ن، م
(2) ـ ن، م
(3) ـ راجع في الإطار:
- كتاب «نصر حامد أبو زيد بين التفكير و التكفير مسألة حصانة الإنسان في الإسلام»، برهان زريق، دار النمير للطباعة والنشر والتوزيع، 1997
(4) ـ عدد كبير من المثقفين والأدباء وقع تكفيرهم، منهم من توفي فكان تكفيره إقرارا بضلاله ومنهم من هو حيّ يرزق فكان تكفيره دعوة لإقامة الحدّ عليه، لعلّ أهمّهم
- لطفي السيّد
- طه حسين
- نجيب محفوظ
- نوال السعداوي
- جمال الغيطاني
- فؤاد زكريا
- جابر عصفور
- نصر حامد أبو زيد
- عبد السلام المسدي
- محمد أركون … وآخرون
وتثار هذه الأيام قضية المؤلفة «بسنت رشاد» (صحفية في جريدة «الكرامة» الأسبوعية الناصرية) بعد إصدارها كتابها الأخير «الحبّ والجنس في حياة النبيّ» وشككت في صحة أحاديث تناولت خصوصيات الحياة الأسرية والجنسية للرسول، ولقد وقع تكفيرها وإهدار دمها،