مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٧١

التوجيهية الخطيرة لها انعكاسات سلبية على العلاقات الاجتماعية والثقافية بين المسلمين، لأنّ مجرد فتوى قد تحوّل الأمن على رعب والهدوء على اضطراب مستفحل، وقد تجعل من حياة الناس ومالهم وعرضهم أهدفا، ولذلك اقترنت الفتاوى المعاصرة اليوم بصفة كبيرة بفتاوى «التكفير» و «التبديع» وما ينتج عنها من ثقافة «رعب» تحوّل الدّين بموجبها من سبب سعادة (كما هو مقرّر له) إلى منتج للخوف والقلق والاضطراب في بعديه الاجتماعي والنفسي.

ولقد أكد الطنطاوي من خلال فتواه أنّ المفتين بما هم تواصل للنبوّة لا يقصدون «من وراء فتواهم إلاّ خدمة الحقّ والعدل ومكارم الأخلاق والمصلحة العامة التي تعود على الأمة بخير»(1)، وهو بهذا المعنى مصلح اجتماعي هاجسه إسعاد البشر وإطلاعهم على حقيقة لا يعرفها إلاّ هو وقلّة «من أهل الذكر» ممّن تأكّد علمهم. وكما يضطلع المفتي بمهمّة المحافظة على إرث الأنبياء فإنّه أيضا يحافظ على التراث الفقهي فهو –كما وصفه علي جمعة- «القائم بعلم الفقه» وهنا تطرح بصفة جدّية علاقة المفتي بالفقيه وعلاقة كليهما بالمجتهد، هل العلاقة بينهم علاقة تطابق كما توهمنا نصوص الفتاوى التي نشتغل عليها؟ أم هي علاقة تباين؟؟

والطريف أن القرضاوي بعد سرد شروط المفتي حصر وظيفته في «أن يتكلّم في الحلال والحرام» وكأن الهاجس الذي أرّق الفكر الإسلامي هو ضبط قائمة مطوّلة غير متناهية من الحرام وحصر مجالات الحلال التي أصبحت تقلّ عددا ونوعا كلّما تقدّمنا في حتى اختفت القاعدة القائلة بأنّ «كلّ شيء حلال حتّى يثبت تحرميه» لتتحوّل إلى قاعدة بديلة نصها «الأصل في الأشياء التحريم»، وهذا النوع من التفكير الديني يفرز «خطابا تبديعيا» مدمّرا يجعل من إبداعات الإنسان بدعا ومن ابتكاراته عدوانا على الدّين، ومن اجتهادات الآخرين فسقا وكفرا وخروجا عن الطريق المستقيم، وهذه الرؤية لا تتماشي مع ما حققه الإنسان المعاصر من مكاسب تتعلّق بالحوار بين الأديان والمذاهب والثقافات والاعتراف بالتنوّع الثقافي والعقائدي، وعلى هذا الأساس شكّل هذا النوع من الخطاب الديني عائقا في مجال التقريب وإن ورد في وجال تقريبيّ احتضنته «رسالة عمّان».

(1) ـ فتوى الطنطاوي، ن، م

١٤٦ / ٣٤١