مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٧٢

وحتّى يقرّب لنا إسحاق الفياض مهام المفتي شبّهه بالطبيب، ولا يبدو ها التشبيه اعتباطيا، بل شبّه من قبل الزركشي المفسر بالطّبيب أيضا وشبّه غيره الفقيه بنفس الصفة، ولهذا التشبيه عدّة دلالات، فالطبيب يمتلك حقيقة علّة المريض لأنّ قام بدراسات معمّقة في مجال «تشخيص الأمراض» وأنجز تجارب واقية لتأكيد نظرياته، وكذلك المفتي يمتلك حقيقة الشريعة ويفهم حقّ فهم الوقع الاجتماعي الذي يعيشه، وعلى ضوء ذلك يشخّص النوازل ويصدر الفتاوى، وكما يتميّز الطبيب بصرامته وعدة تسامحه فكذلك المفتي، ولكن غاب عن صاحب المقارنة أنّ الطبيب يتعامل مع حقائق علميّة محسوسة ولا يبني أعماله على ظنّيات وافتراضات ولكنه يبنيها على حقائق تجربية على عكس المفتي الذي يفترض أنّه - كما تواتر- «مجتهد» و «فقيه» يتعامل مع ظنيات وفق الاستنباط والتأويل وإعمال العقل لذلك كان التنوّع في الآراء الاجتهادية وكان الاختلاف في الحكام الفقهية. ولئن كانت وصفة الطبيب ملزمة حتى يتعافى المريض فإنّ فتوى المفتي إذا سئل غير ملزمة بأيّ حال من الأحوال.

والملاحظ أنّ العلماء الشيعة لم يعمّقوا في ذكر مهام المفتي، على عكس علماء السنة، ولعلّ ذلك يعود أساسا إلى اعتقادهم أنّ مؤسسة المجتهد المفتي المرجع قد استوت تاريخيا ولا تحتاج إلى تفصيل، فالمرجع يضطلع بعدّة مهام دينية تشريعية وسياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، ويثير هذا التجميع لمختلف الوظائف عدّة إشكاليات على مستوى المنظومة الشيعية الإثني عشرية، خاصة بعد إقرار «ولاية الفقيه»(1) منهجا في الإفتاء والسياسة، ممّا أثار تحفظات عدد كبير من المفكرين حتى من داخل المنظومة الشيعية ذاتها.

لقد كان حديثنا عن «صورة المفتي المعاصر» حديثا عنصراع خفيّ ومعلن في الآن ذاته في فئتين من «رجال الدين» - إن صحّ أن يكون للدين رجال-: فئة محافظة تعمل على تركيز سلطانه المعهود وحصر الفتاوى في عدد مضبوط من العلماء والمراجع الذين اعترفت مؤسساتهم الدينية بشرعيتهم، وفئة ثانية مهمّشة تحاول التمرّد على قوانين

(1) ـ يمكن الاستفادة من كتاب: «بين فقه الإصلاح الشيعي وولاية الفقيه: الدولة والمواطن» لوجيه كوثراني، دار النهار للنشر، بيروت، 2007

١٤٧ / ٣٤١