مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ١٧٣ضبطت شروط المفتي وآدابه، والاقتراب من عامة الناس من خلال التواصل معا ذاكراتهم وإثارة عواطفهم ومشاعرهم.
* مكاسب البحث: التأليف
لقد حاولنا من خلال تفكيك بنية «الفتوى» أن نتبيّن وجوه التجديد فيها، وأن نرصد ما وقع من انزياحات على مستوى الشّكل والمضمون، ولعلّ ما يهمّنا في هذا المجال البحث في مدى استجابة هذه الانزياحات لحاجيات التقريب بين المذاهب الإسلامية باعتباره الهدف الأساسيّ من انعقاد ملتقى عمّان وصدور رسالته. ويبدو أنّ مختلف الفتاوى التي تناولناها ذهبت في اتجاه واحد يرى أنّ ما يسمّ بـ «فوضى الإفتاء» أو «الفتاوى الموازية» تضرّ بكلّ تقريب وتنسف كلّ حوار مع المخالف من داخل الملّة ومن خارجه، ولذلك لا بدّ من حصر الإفتاء في عدد مضبوط من العلماء لهم من المؤهلات م يمكّنهم من الاضطلاع بما اُنيط لهم من مهام.
ولكنّ المشكلة تتجاوز ظاهرة «تحرّر الفتاوى» وانتشارها الفوضويّ وتصدّي «المتطفّلين» لها، وإن كانت فتاوى التكفير تمثّل معوّقا حقيقيا أمام كلّ تواصل بين المسلمين. إنّ المشكلة فيما نرى تكمن أساسا في «الإفتاء» في حدّ ذاته في بعده «الرسميّ» و «الهامشيّ»، ولا نبالغ إذا اعتبرنا «خطاب الإفتاء» خطاب التناقض بامتياز، فأصحاب مؤسسات الإفتاء الرسميّة وإن أعربوا عن رفضهم لفتاوى التكفير المتعجّلة واستنكارهم لفتاوى العامة فإنّهم لم يظهروا في ممارساتهم وتنظيراتهم رغبة حقيقية في الاعتراف بالمخالف والدخول معه في حوار بنّاء قوامه التعدد والتنوّع والاختلاف، وهذا المنزع الاقصائي الرّسميّ رصدنا بعض معالمه في فتاوى ملتقى عمّان كما نرصده بجلاء في مختلف الفتاوى الإسلامية المعاصرة.
من جهة أخرى، قد يتحوّل أصحاب الفتاوى الجديدة «المشبوهة» إلى مدافعين عن الفتوى الشرعية كما صاغها التقليد الدينيّ وينتقدون بدورهم «فوضى الإفتاء» ويلحونـ وربما أكثر من غيرهم ـ على شروط المفتي وآدابه، ولنا في سليمان بن صالح