مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٧٥

أردنا من خلال هذه المحطات التي توقفنا عندها أن نبيّن خطورة الفتاوى في مفهومها العامة وتوظيفها السلبيّ ممّا يدفعنا بجدّ إلى مراجعة موقفنا من مؤسسة الإفتاء ووظيفتها الدينية والاجتماعية، ولقد تفطّن بعض رواد التقريب المعاصرين إلى المصاعب المتعلّقة بوجود شخص يتصدّى للإفتاء ويوهم نفسه والآخرين بأنّه يلمّ بكلّ المعارف ويعلم الحقائق ويمتلك لوحده طرق الرّشاد، ولذلك طُرحت مسألة الإفتاء الجماعي ووجدت لها عددا كبيرا من المؤيدين من علماء الدين والمثقفين، ولقد أكّد عبد الرحيم علي محمد إبراهيم في مقال له بمجلّة «رسالة التقريب»(1) على حتمية اعتماد الإفتاء الجماعي بديلا عن فتاوى الأفراد معتمدا «مجمع الفقه الإسلامي بالسودان نموذجا»، وانتشرت هذه الرؤية البديلة للإفتاء عند شريحة كبيرة من الباحثين ومختصين، وفي هذا الإطار خصّص «حسين محمد الملاح» مبحثا(2) مستقلا حول «خطورة الإفتاء الفردي وأهمية الإفتاء الجماعي في عصرنا» رأى فيه أنّ الإبقاء على «المفتي الفردي» ضرب من العدم وتمديد لأزمة الإفتاء ودعا إلى ضرورة تفعيل دور مجامع الفقه الدولية والمحلية حتى تضطلع بدورها في ترشيد النّاس دون وصاية أحد من رجال الدين رسميا كان أو مهمّشا.

وحتى تكتسب هذه المجامع ثقة المقلّدين فلا بدّ أن تحافظ على البعد الاستشاري غير الإلزامي للفتاوى، ولا بدّ أيضا أن تعتمد رؤية تعدّديّة تتحرّر فيها من احتكار «النخبة العالمة» لأسئلة الدين، وفتح المجال للمختصين في كلّ مجالات الحياة بل وللبسطاء من النّاس لتحسّس واقعهم أكثر والاستجابة لرهانات التاريخ بصفة أعمق وأنجع. وهذا بدوره سيدفعنا إلى مراجعة كلّ ما تعلّق بـ «فتوى العّامي»، وإعادة تحديد مفهوم العامي على ضوء المتغيرات، فهل العامي هو الأميّ الذي لا يحسن القراءة والكتابة؟ هل هو كلّ من لم يلتحق بالدراسات الدينية التقليدية وإن كان جامعيا متميّزا؟ هل هو المخالف في المذهب؟ ثمّ هل من المشروع أن يتقيّد المقلّد بفتوى مخصوصة دون أن يأخذ بغيرها ودون أن ينوّع من موارده

(1) ـ عبد الرحيم علي محمد إبراهيم، الاجتهاد الجماعي ومجامع الفقه الإسلامي نموذج مجمع الفقه الإسلامي في السودان، مجلة رسالة التقريب، عدد،43 - 35، خريف 1423 هـ، 2002، المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية (معاونية شؤون الإعلام والنشر) طهران،، ص365 - 379

(2) ـ وهو المبحث الخامس من الفصل الثاني

١٥٠ / ٣٤١