مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١٧٦

ومجالات اهتماماته الدينية والفكرية والحال أنّ من حقّه في عرف أهل الأصول أن يغيّر ويأخذ بما شاء ومن شاء(1) وأن يرجّح بين الفتاوى(2) وأن «يبعّض»(3) و «يلفّق» على حدّ تعبير الفقهاء، وأن يترك ما قالوا ويهجر فتاواهم إن شاء ذلك ولم ترق له.

وجدير بالذّكر أنّنا نجد من بين رواد التقريب من كان جريئا في تعامله لمسألة فتاوى الفقهاء فانتقد مرجعيتهم كما هو حال من دعا إلى الإفتاء الجماعي أو نبّه تصريحا وتلميحا إلى ضرورة «تغيير الأحكام الفقهيّة بأحكام قانونيّة» وهو عنوان مقال لمحمد حسين آل كاشف الغطاء، عرضه وقدّم له في «مجلّة التقريب»(4) محمّد السّاعدي، وتناول فيه «مجلة الأحكام العدلية» التي تبنتها الدولة العثمانية سنة 1869 وصدرت سنة 1876. وهذا المشروع القديم المتجدد يدفعنا إلى التفكير بصفة جدية في تعويض فتاوى الفقهاء باستشارات خبراء القانون، وتبديل «مؤسسات الإفتاء» بمؤسسات قانونية مدنية تكتفي بإرشاد المواطن وتوجيهه دون إلزامه بما لا لزوم له.

والطريف أنّ هذه الفتاوى التي اشتغلنا عليها كانت مجالا خصبا للتعرّف على خصوصيات مختلف المنظومات الإسلامية الفرعية(5) فيما يتعلّق بالإفتاء وقضاياه، فكانت بحق فضاء للتعارف والتعرّف، والمقارنة بين مختلف الأدبيات، ولقد لاحظنا أنّ الفتاوى السنية(6) كانت طويلة تمتدّ على عدّة صفحات وتنزع على التفصيل وتقف عند التعريفات، وهذا ما حوّل الفتوى التي اشترط منظروها(7) القصر والاختصار، على

(1) ـ هذا مذهب الشافعي والشيرازي والخطيب البغدادي (راجع، المالكي ص37)

(2) ـ وهذا ما ذهب إليه ابن السمعاني والشاطبي

(3) ـ التبعيض اصطلاح شيعي إثني عشري يطابق «التلفيق» في المنظومة السنية وهو أن تأخذ الحكام الشرعية من أطراف مختلفة دو التقيّد بطرف واحد

(4) ـ مجلة رسالة التقريب، عدد،43 - 35، خريف 1423 هـ، 2002، (ركن حصاد التقريب)

(5) ـ لمزيد الاطلاع على مواقف مختلق المذاهب الإسلامية من «الإفتاء» يمكن العودة إلى حسن محمد الملاح في كتابه «الفتوى: نشأتها وتطورها» إذ خصص أربعة مباحث تخص على التوالي: الإباضية والزيدية والإمامية والإسماعيلية ومنهجها في الفتوى (ص200 - 271)

(6) ـ يتجلّى ذلك خاصة في فتاوى القرضاوي وعلي جمعة والطنطاوي

(7) ـ يذهب ابن الصلاح: «يحسن بالمفتي الاختصار الذي لا يخلّ بالبيان المشترط عليه دون ما يخلّ به» (م، س، ص141 - 142)

١٥١ / ٣٤١