مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٢٣

على البنوة الصاعدة، وأملا في الفتوة الواعدة، أن تغدو ذرية بعضها من بعض، وتنمو شجرة طيبة أصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، تبني كما كانت أوائلها تبني، وتفعل مثلما فعلوا، صونا لحمى المدين، ودفعا عن كرامة الدين، مخافة أن يؤسفوا ربَّهم، فتصيبهم قارعة أو تحلُّ قريبا من دارهم. ولقد وسمت هذه الندوة بالشيخ الناصر سيرة عطرة ومسيرة زاهرة.

أيها السادةُ الأفاضل، ويا أبناء الأمة الأماثل، ما أجمل بالأمة الإسلامية أن تحييَ في نفوس أبنائها أجملَ المناسبات، وتغرس في قلوبهم أسمى العبر والعظات، فتقصَّ عليهم جميل الذكريات، وتحكي لهم جليل المكرمات عن أنبل أسلاف مضوا، وأكرم أمجاد قضوا، مدًّا لبارقة الأمل، وشحذًا لعزيمة العمل، واستنارةً لدرب الحياة مهما امتدَّ بها الأجل، امتثالا لأمر العزيز الحكيم: فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) وتجسيدًا لقول السميع العليم: إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلاَوَّابِينَ غَفُورًا (25) وبخاصَّة في هذه العصور الأخيرة التيِّ يشتدًّ فيها تكالب قوى الشرِّ دون هوادة، ويزداد فيها تقارب مِلل الكفر في فضاضة، مكشِّرة أنيابَها في صلف، ومبرزة مخالبها في شغف، لاَ يَالُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنَ اَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمُ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الاَيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (118) تبغي التهام ما تبقَّى في الأمة من أوصال، وتنوي تدمير ما تبدَّى فيها من أطلال، حتىَّ لقد صدق فيها قول الأديب محمود غنيم في قصيدته وقفة على طلل:

أنَّى اتَّجهتَ إلى الإسلام في بلدٍتجدْهُ كالطَّيرِ مقصُوصًا جناحَاهُ

ويحَ العُرُوبةِ كان الكونُ مسرَحَها … فأصبحت تتوارَى في زواياهُ

إنَّ المرء عندما يقف في ختام عمر هذا المجاهد الباسل، ويُرجع البصر كرتين عبر سنوات هذا العمر الحافل، لتبدو له من أمد سحيق قسماتُ هذا العلم المجيد، بما تفخر به من حميد الخصال، وترنو له من أفق عميق بصماتُ هذا العمر المديد، بما تخلِّده من جليل الأعمال التيِّ تنوء بالعصبة أولي القوة من الرجال، وتجلو له من بين سنا البرق

١٨٢ / ٣٤١