مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٢٤حباتُ هذا العقد النَّضيد بما تَسبِكُه من مآثر ترصِّع قنن الجبال، لكنَّها المروءة متى حلَّت بقلب فطن أثمرت يانع الثِّمار، وأنبتت العزَّ والفخار، غير أنِّي أراها شحيحة هذه الأيام، عزيزة عند الأنام، لم يعد لها في الورى مقام.
مررتُ على المروءةِ وهي تبكيفقلتُ: عَلامَ تَنتَحِبُ الفتاةُ
فقالت: كيف لا أبكي و أهليجميع دون خلق الله ماتوا
أيُّها الإخوة الأكارم لن أستطيع في هذه الوقفة القصيرة التيِّ تُختصر فيها العِباراتُ، وتُعتصر فيها العَبَراتُ، أن آتي على مآثر المحتفى مهما أسلت من لعاب البنان، ومهما أوتيت من أسباب البيان، ولو كانت في فصاحة قُسٍّ أو سحبان، ولعلَّ هذا ما ستتبدى بعض جوانبه من خلال ما سنسمع من عاطر ما يتحفنا به السادة المحاضرون، في الجلسات العلمية المسجَّلة في هذا اللِّقاء الذي يشهده المقربون، تُجلِّي أكمل ما يخلب الألباب في محتفانا، وتُحلَّى أجمل ما يحيِّر الأفهام في متوفانا، أليس هذا أولَ ما يعنينا أن نفركه، وأولى ما ينبغي علينا أن ندركه، من سيرة شيخنا هذا الذي به نفخر، وبمآثره نجهر، وقد بلغ أعنان الخضراء مجدا لن يحول، وغدا في آفاق الغبراء نجما ما له من أفول؟ وحسبي برهانا على زعمي هذا، عشرة فصول من حياته رحمه الله، أعرضها على سبيل الحجة والبرهان، ودليل المجة لكلِّ إنس وجان، فبأي آلاء ربكما تكذبان:
فخذها كما أدري وإن كلَّ خاطري … وإن لم يكن منها البديعُ الَّذي تدري
أوَّلا: الإيمان الخالص
لقد أشعر الشيخ الناصر نفسه بشعار قُلِ اِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَآيْ وَمَمَاتِيَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَالِكَ أُمِرْتُ وَأَنَآ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) فكان من الذين جسَّدوا بحقٍّ مبادئ الحياة، ومن الذين لم يكونوا ليتخلَّفوا عن سنَّة الحياة، ولا ليرغبوا بأنفسهم عن مداركة سرِّ الحياة، التيِّ أشعرها خالق الحياة، دستورًا خالدًا في أقدس مقدسات الحياة يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ