مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٢٥اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) هذا الذي استساغه الأماثل طعما لذيذا للحياة، واستظهره الأوائل دربا قويما إلى الممات، فدانت لسلطانهم عروشُ الطغاة راغمةً، ودالت لدولتهم أباطرة العتاة دامغةً، فأبدلوا النفوس من بعد خزيها فضلا، وأحيَوا القلوب من بعد موتها بذلا، وملؤوا الأرض من بعد قهرها عدلا، فعاشوا للأنام قوَّادا، وصاروا للأقوام روَّادا، فاستبشرت بها البلاد إذا حلُّوا، واستنصرت بهم العباد إذا ذلُّوا، فأكرم بهم نفوسا طموحة، وأعظم بهم قلوبا طفوحة، فما ساسوا بغير السماحة الأنام، ولا رادوا بغير الصراحة الأقوام، فما عرفوا للظلم تملُّقا، ولا ألفوا للإفك تشدُّقًا، ولا أوجفوا للصفِّ تفتُّقا، هذا الذي نشأ عليه شيخنا المحتفى به منذ نعومة أظفاره، وارتضاه نهجا قويما يدعو إليه وهو يجوب العالم في أقطاره، واستساغه سرحا يعتلي ذراه شامخا بين أنصاره، فما فضلكم الشيخ ناصر بكثرة صلاة ولا بكثرة صيامن ولكن بشيء وقر في صدره.
ثانيا: الصلابة في الدين
أمَّا الصلابة في الدين فأعظم بها مذهبا في الشيخ الناصر لا يلين، وأعذب به مشربا عنه لا يَبين، لقد كان تقيًّا عابدًا، وورعًا زاهدًا، وسبُّوحا واجدًا، وقَّافًا عند حدود الله، غضوبًا أن تنتهك حرمات الله، لا يَثنيه عن صلابته في دينه إغراء نادم، ولا إغواء حاكم، لا يَفري شدَّته في دينه تلهُّف منصب، أو تلحُّف مرأب، عاش لربه، تقيًّا، ولدينه نقيًّا، فأكسبه ذلك مجدًا أثيلاً، وقدرًا جليلاً، وذكرا جميلاً، وما ضرَّه أن يكتفيَ بأكلة سمك، إذا كان يسقى من رحيق مختوم ختامه مسك، يعتقد أنَّ المرء بأصغريه قلبه ولسانه، ويعدُّه مخبوءا تحت طيِّ لسانه لا تحت طيلسانه. فكان يتَّقد غيرة في كلِّ ميدان وطئته رجلاه، ويتجدَّد عزيمة في كلِّ عمل بطشته يمناه، يأتي بما لا يأتي به من هو أكثر منه مالا وأعزَّ نفرًا، ولكأنيّ به يردِّد مع شاعر الفقهاء الإمام محمد بن إدريس الشافعي مقولته الشهيرة:
عليَّ ثيابٌ لو تباع جميعُها … بفلسٍ، لكان الفلسُ منهنَّ أكثرَا
وفيهنَّ نفسٌ لو تُقاسُ ببعضِهانفوسُ الورى، كانت أجلَّ وأكبرَا
ما ضرَّ نصلَ السَّيف إخلاقُ غمدِهإنْ كان عَضبًا حيثُ وجَّهته فَرَى