مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٢٦تلكم مآثر أولئك الآباء الأحساب، لقد استمسكوا بعروتها ترقُّبا ليوم الحساب، وسدُّوا ابتغاء النصر دونها كلَّ الأسباب، فانهزمت بين أيديهم جموع الأحزاب، وعاشوا بها غرة في جبين الدَّهر مدى الأحقاب، وتفيؤوا بها أفانين الجنان، والملائكة يدخلون عليهم من كلِّ باب. فلتكن لنا معاشر شباب الإسلام من سيرتهم عبرة، ومن نومتنا يقظة، ومن غفلتنا فطنة، ومن عثرتنا وقفة، وقد بدت تباشير الصبح بالبلج، ودياجير الفتن بالفرج، فهلمُّوا إلى محراب الإيمان راكعين، وأقدموا إلى رياض المعارف كارعين، وأقبلوا إلى رحاب الحيِّ القيوم ضارعين، إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ
وجوهُ القوم أورثوا الجودَوالتُّقى … وعند الوغى يوم الكريهةِ كالأُسدِ
فسيماهُم عند التُّقى في وجوههم … وعند النَّدى والمجدِ من كثرة الرَّفْدِ
ثالثا: الأسوة الحسنة
لقد كان الشيخ الناصر منبعَ الصبر، وينبوعَ الصدق، ومعينَ الرضا، وبلسمَ الأذى، ورمزَ الفدا، ودليلَ الهدى، وكان المعزيَ عند حلول الكروب، والمسليَ عند نزول الخطوب، والمؤنسَ عند وحشة القلوب، فاسألوا عنه المحافل التي عمرها، والمنابر التيِّ صعدها، والمدارس التي غشيها، والأيادي التي صنعها، والمكارم التي نشرها، والمغانم التي حررها، وَمَا شَهِدْنَآ إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) لقد كان شعاره الذي يثدثَّر به إلى سبيل ربِّه داعياً يَاقَوْمِ أَرَآيْتُمُ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَآ أُرِيدُ أَنُ اخَالِفَكُمُ إِلَى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنُ ارِيدُ إِلاَّ الاِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) لقد ترك فينا وفيكم سنيَّ خلاله، ورضيَّ خصاله، وجنيَّ فعاله، ولا يرضيه منَّا كثرة البكاء، أو تمديد العزاء، أو ترديد الإطراء، بقدر ما يسرُّه أن نكون لأثره مقتفين، ولذكره صادقين، لفكره ناشرين، وهذا الذي يعزيه فينا، أُوْلَئِكَ الذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ
بنو الصَّالحينَ الصَّالحونَ ومَنْ يَكُنْ … لآباءٍ صِدْقٍ يَلْقَهم حيثُ سيَّرَا