مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٢٨إنَّها لروابط حميمة، وصلات قويمة، وأهداف جليلة، وغايات نبيلة تلكم التيِّ تربط الأمة الإسلامية، يجمعها الجهاد العلمي ابتغاء مرضاة الله، والتَّمكين لدين الله، والرفع من لغة كتاب الله، وتنشئة أجيال صالحة تطمئن قلوبهم بذكر الله، وتسعد نفوسهم يوم لقاء الله، فأعظم بها رسالة جليلة، وأكرم بها وسيلة نبيلة. فليست الأوطان مهما تباعدت إلاَّ مهادا، وليست الأجناس مهما تجددت إلاَّ ترابا، وليست اللُّغات مهما تعدَّدت إلاَّ لسانا، فنحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزَّة في غيره أذلنا الله، ونحن قوم هدانا الله بالقرآن ومهما ابتغينا الهدي في غيره أضلنا الله، ورحم الله الشيخ البشير الإبراهيمي إذ قال: أي شباب الإسلام، إنَّ الأوطان تجمع الأبدان، وإنَّ اللُّغات تجمع الألسنة، وإنما الذي يجمع الأرواح ويؤلِّفها، ويصل نكرات القلوب فيعرِّفها هو الدين، فلا تلتمسوا الوحدة في الآفاق الضيقة، ولكن التمسوها في الدين، والتمسوها في القرآن، تجدوا الأفق أوسع، والدار أجمع، والعديد أكثر، والقوى أوفر. وتلكم هي رسالة الشيخ الناصر الذي أحدثكم اليوم عنه.
أَبَت عِزَّةً أَن تَقبَلَ الضَيمَ نَفسُهُ وَذُو العِزَّةِ القَعْسَاءِ كَيفَ يُضَامُ
وَذُو المَجدِ لا يَستَغرِقُ الجَهلُ حِلمَهُ وَلَو قَعَدَ الواشُونَ فيهِ وَقامُوا
لقد تميَّز الشيخ الناصر برحابة الصدر، وحسن المعشر، وسلامة المخبر، فكان من أحبِّ الناس إلى الله، وأقربهم منازل يوم القيامة إلى رسول الله، إذ كان من أحاسن الناس أخلاقا الموطئين أكنافا الذين يألفون ويؤلفون، فلا يلقى أحدا إلاَّ بوجه ضاحك، ولسان مازح، تسبق البسمة حديثه، ويسود الأنس مجلسه، فلا تكاد تشعر إلاَّ وهو يغمرك بلطف كلمه، ويعمرك بفضل علمه، ويأسرك بحسن طويته، ويسلبك بصدق لهجته، فتلين له القلوب مهما تصلَّبت، وتسلس له العقول مهما تشعبت، وتخضع له النفوس مهما تقلَّبت، وأحسبه ممَّن يصدق فيهم قوله - صلى الله عليه وسلم - «إِذَاأَحَبَّاللَّهُالْعَبْدَنَادَىجِبْرِيلَإِنَّاللَّهَيُحِبُّفُلَانًافَأَحْبِبْهُفَيُحِبُّهُجِبْرِيلُفَيُنَادِيجِبْرِيلُفِيأَهْلِالسَّمَاءِإِنَّاللَّهَيُحِبُّفُلَانًافَأَحِبُّوهُفَيُحِبُّهُأَهْلُالسَّمَاءِثُمَّيُوضَعُلَهُالْقَبُولُفِيالأَرْضِ»