مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٢٩

خامسا: التواضع في هِمَّة

عُرف شيخنا بتواضع كبيرٍ، فكان يجلس إلى ذي الحاجة والفقير، كما يجلس إلى ذي المقام والوزير، يملك نفسا طموحة، ويعرك عزيمة طفوحة، لا تستهويه المناصب، ولا تغريه المراتب، ولا تغرُّه الألقاب، تكفيه شهادةً شهادةُ ربِّ الأرباب بين العباد، ويُجزيه تكريما كرامة العزيز الوهَّاب له يوم المعاد، عرف قدر ربِّه فعرف له قدره، تواضع له افتقارا، فرفع شأنه افتخارا، هيبته بادية من هيئته، وقدره بارز من نظرته، حبِّب إليه الحياء، وبغِّض إليه الرياء، حتىَّ لكأنَّه يردِّد مع الإمام محمد بن إدريس الشافعيِّ: وددت أنَّ الخلق يتعلَّمون هذا العلم ولا ينسب منه إليَّ شيء، وودت أنَّ كلَّ علم أعلمه يعلمه الناس أوجر عليه ولا يحمدونني. أين منه هذا اليوم ـ إلاَّ من رحم ربي ـ شباب مائع يلهت وراء ورقة يمتطي بها العلم ليجعل منه الوظيفة التيِّ يضمن به الرغيف، لا رسالة لتحقيق غرض شريف. وأين هي همم الثلَّة المتدفقة في دروب التعلُّم في العصر الحاضر، من تلك الكوابد التيِّ عانى منها الفتى ناصر، والأوابد التيِّ قاسى منها الصَّبور الباصر، وقد تبدَّدت اليوم الموانع، وتعدَّدت في الأمم الجوامع، وكثرت الوسائل، ونثرت السوائل، ولكن هيهات هيهات، فهل تسمو الهمم نحو القنن إلاَّ عند اشتداد المحن؟

على قدر أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ

وتعظُم في عين الصغير صِغارُها وتصغُر في عينِ العظيمِ العظائمُ

وأين منه اليوم محترفو الأقلام الصنيعة، ومحرِّفو المثل الرفيعة، ومخِّرفو الثقافة الوضيعة، ممَّن باعوا ضمائرهم، وأهانوا حواضرهم، ورتعوا في فتات أراذل الفجَّار، وكرعوا من أسؤر أفواه الكفَّار، فتردَّوا أسفل سافلين، وقد كانوا في أحسن تقويم. ألا لعنة على زمان يحكي فيه الهرُّ انتفاخا صولة الأسد، ويطاول فيه الغرُّ انسلاخا سورة الأحد. ولله ما أصدق الشاعر إذ قال

تصدَّر للتدريس كلُّ مهوِّس بليدٍ تَسمَّى بالفقيه المدرِّسِ

فحقَّ لأهل العلمِ أن يتمثَّلوا ببيتٍ قديمٍ شاع في كلِّ مجلِسِ

لقد هزلت حتىَّ بدا من هزالها كِلاَها وحتىَّ سامها كلُّ مُفلسِ

١٨٨ / ٣٤١