مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٣٠تلكم هي همَّته العالية التي لا تستكين، في عزة أبية لا تلين، وبها شاد وساد، وأجاد وأفاد، فأغنته عن دنس التملُّق وكفته مذلة التسوُّل، ومكَّنته من شغافِ قلوب الرجال، والتربُّعِ فوق قنن الجبال.
أين منها اليوم همم من تكدَّست في خزائنهم الكنوز، ومن صار ديدنهم حبُّ المحمدة والبروز، أين منه اليوم من اكتملت مجامع قوَّته، واتَّسعت مراتع قوته، واتَّسقت منازع وقته، لقد ضاعت الهمم في ثنايا الخفايا، وسلب بريقها سوء النوايا، ودنَّس عِرضها دسُّ الهدايا، فهوى سرحها شنيعا إلى المنايا، فها هي ذي الأمَّة كما نرى، تغطُّ في سبات الكرى، وها هو القدر عليها قد جرى، يمزِّق جسدها آساد الشرى، فهل من مغيث؟
فيا مَوتُ زُر إنَّ الحياةَ ذميمةٌويا نفسُ جِدِّي إنَّ دَهركِ هازِلُ
فواناصراه ووا باديساه، ووا بيُّوضاه، ووا بشيرًا ووا يقظاناه، لقد تقطَّعت كبدي وحرقتها لواعج الكمد.
سادسا: عزَّة النفس
أمَّا عزَّة النفس فأكرم بها شيمةً مغشَّاة بجلباب التواضع، وأقبح بها رزيَّة موشَّاة بخمار الترفع، وما كنَّا نرى محتفانا في المجالس - مهما عزَّ شأنها - إلاَّ وجلباب التواضع يزيده محبَّة وجلالا، ودثار الوقار يزينه هيبة وجمالا، فأين منه مَن شأنه الدعة والاستعلاء، وأنَّى يرقى مرقاه من دأبه الخطل والكبرياء، فما بالترفع تنال المنائح، ولا بالتَّمنُّع تكال المدائح. لقد كان الرجل يعمل في صمت مهيب، ويصدع بالحقِّ في صوت رهيب، ويفري المعضلات بفكر أريب، ويأتي ربَّه بقلب منيب، وما كنتَ تحسبه فاعلاً ذلك في نحافة جسم، ونحالة ثوب، وبساطة بيت.
تَرى الرَجُلَ النَحيفَ فَتَزدَريهِ وَفي أَثوابِهِ أَسَدٌ هصور
وَيُعجِبُكَ الطَريرُ فَتَبتَليهِ فَيُخلِفُ ظّنَّكَ الرَجُلُ الطَريرُ
ضِعافُ الأُسدِ أَكثرُها زَئيراً وَأَصرَمُها اللَواتي لا تَزيرُ
لقد عاش الشيخ الناصر عيشة بسيطة طوال حياته، أبيَّ النفس قانعا شاكرا، عزيز الجانب زاهدًا صابرًا، وكان بإمكانه - لو أراد - أن يعيش وأهله غنيًّا كاثرًا، ولكنَّه كان