مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٩

وكان مُضطَرَبَه في هذا المحيط من أقدم وأقوى الأسُس التي وجَّهته إلى هذه الوجهة الاجتماعية البسيطة (إن جاز التعبير).

ولا نكاد نصل بداية الخمسينيات حتى يبدأ بزوغ نجم الشيخ الناصر في ميدان الوعظ والإرشاد؛ شابًّا نشيطًا تقيًّا، وفيًّا للمدرسة الإصلاحيَّة التي أنجبته وأهَّلته، فكان حضورُه الدائم في حفلات الأعراس والأفراح والمناسبات الدينية وكذا في مشاهد المآتم والجنائز وغيرها التي لفتت الأنظار إليه؛ لتميُّزه عن غيره بأسلوبه البسيط وشخصيته المتواضعة التي جمعت حوله العامَّة رجالا ونساء. وما فتئ أن فتح تحت توجيهات شيخه بيوُّض دار العلاَّمة الشيخ بلحاج غير بعيد عن مسكن الشيخ بيُّوض نفسه؛ إحياءً لهذه الدار العريقة في العلم والدين، ولفتًا لنظر الناس إلى مدرسة كادت تُنسى في خضمِّ الزخم الذي عرفته النهضة الإصلاحية بمنهج جديد يتجلَّى في مدارسها ومعهد شبابها، ويتطلَّع إلى نهضة علميَّة قويَّة حديثة تجمع بين الأصالة والتفتُّح.

فكانت دروس الشيخ الناصر للعامَّة، ولاسيما لفئة النساء، منبرًا مُكمِّلا لمنبر الشَّيخ بيُّوض في المسجد الكبير، بل إنَّ دروس الشَّيخ الناصر اشتهرت وعُرفت بأنها لا تبدأ إلاَّ بعد أن يفرغ الناس من دروس الشيخ، ولاسيما بعد صلاة العشاء. وكان للشيخ الناصر جمهورُه الخاص من الجنسين، ولاسيما من كبار السن رجالا ونساء، ممن كانوا يجدون في دروسه مبتغاهم من الرقائق وتزكية الأنفس، والتوجُّه إلى الدار الأخرى بعيدًا عن صخب الحياة الدنيا، فكانوا يرتاحون إلى إنهاء بياض نهارهم في رحاب تلك الجلسات الروحية المفعمة بالوعظ والإرشاد.

وكنا نحن طلبة في معهد الحياة نرى إقبال الرجال والنساء المسنِّين على دار الشيخ بلحاج لسماع مواعظ الشيخ الناصر التي يأسر بها قلوبهم، ويستحوذ على مشاعرهم، وهو لا يجمعهم في حلقاته بموضوعاته ومعالجاته وحسب بل يلتقون حوله لحبهم الكبير لشخصه وإعجابهم بتواضعه، وثقتهم في ورعه وتقواه، واستئناسهم المريح إلى طريقته وأسلوبه الذي يجمع بين البساطة والاسترسال بلهجة يفهمونها، وشرح مستبين يوضِّح المسائل الفقهية المعقَّدة أمامهم، ولاسيما ما تعلق منها بفقه النساء.

وأحسب أنَّ هذه المكانة الدينية الاجتماعية التي تفوَّق فيها، واشتهر بها إنما جاءت انعكاسًا لتلك الدروس الوعظيَّة ذات الطابع الرقائقي التي تجعل المؤمن يتذكر

١٩ / ٣٤١