مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٣٢

الإسلامية تلمسان، وأصرَّ على الحضور إلى ميزاب لملاقاة صديقه الحميم الشيخ الناصر المرموري وقد سمع بمرضه، ولم يكن يخطر ببال من حضر أنَّ اللِّقاء سيكون وداعا، لا لقاءَ بعده إلى يوم يقوم الأشهاد، لقد خاطب الشيخ الناصر سماحة الشيخ الخليلي، وردَّ على دعوة وجَّها له لزيارة سلطة عمان، بنبرته الهادئة، وأسلوبه المتَّزن، ومنطقه المرح قائلا: إنَّنا نحن معاشرَ المغاربة نستبشر باستقبال علماء المشرق في بلاد المغرب، ولكنَّنا نستاء بانتقال علماء المغرب إلى المشرق لأنَّ ذلك سيكون بمثابة طلوع للشمس من مغربها، فاستشهد ببيتين قيلا لعالم من علماء المغرب عزم على التنقل إلى بلاد المشرق:

أشمسَ الغرب حقًّا ما سمعنا بأنَّك قد سئمت بنا الإقامة

وأنَّك عازم على الرحيل لا تفعل فقد تقم القيامة(1)

فضج الشيخ ومن في القاعة أنسًا بهذا الكلام، ولكنَّ القدر كان يبتسم ويقول لشيخنا المرحوم: إنَّ القيامة ستقوم عليك أنت، وأنت في بلاد المغرب، وأما شمس المشرق فستأفل إلى مغربها ولا تقوم القيامة.

ثامنا: الموعظة الحسنة

ألا رحماك شيخنا لَكَم كنت لنا دوما ظلاًّ ظليلا، ويا بشراك لكم حنوت على النشء عطفا جزيلا، ويا نعماك لكم سقيت البنوة ماء الحياة عذبا سلسبيلا، ويا سعداك لكم أسديت إلى المحافل رأيا جليلا، ويا صبراك لكم تحمَّلت مما تنوء به أولو العصبة من القوة عبئا ثقيلا. لقد كنت الملاذَ في معترك الأهواء، والفيصل في مشتجر الآراء، والبلسم في موضع الداء، إنَّ الشيخ الناصر رحمه الله ليعتبر في زماننا هذا سيِّد الدعاة إلى سبيل ربِّه على بصيرة، لما يتميَّز به أسلوبه في الدعوة من خصوصيات كثيرة، ترفعه إلى سماء الحكمة، وتبعده عن دنيا الحمقة، تدفعه إلى سعة الموعظة الحسنة، وتمنعه من ضيق المجادلة الخشنة، فلا تكاد تسمع إلى صوته الشجيِّ، وتصغي إلى منطقه النديِّ حتىَّ تشعر بوعظه يغشاك، فيسري في حنايا نفسك يمدُّها ببرد اليقين، سريان الدم في خبايا جسمك يمدُّه بورد الأكسيجين، وبنصحه يحيي في

(1) -ذكر الشيخ الناصر (رحمه الله) هذين البيتين بهذا اللفظ، ويظهر الكسر جليا في البيت الثاني. وقد سبق وأشرنا في مكان آخر من هذا العدد إلى أنَّ البيتين مقتطفان من مجموعة أبيات لأبي جعفر أحمد بن خاتمة المرِّي المغربي أرسلها إلى بعض أشياخه يقول فيها:

أشمسَ الغربِ حقًّا ما سمعنَا***بأنَّك قد سئِمتَ بنا الإقامةْ

وأنَّكَقد عزمتَ على رحيلٍ*** إلى شرقٍ سَمَوْتَ به علامَةْ

لقد زَلزَلْتَ مِنَّا كُلَّ قَلْبٍ ***لا تفعل فَقَدْ تَقُمِ القيامةْ) (هيئة التحرير)

١٩١ / ٣٤١