مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٣٣

قلبك ذكرا لربِّك وتبتيلا، هبوب النسيم على الروض يوسع الزهر شمًّا وتارة تقبيلا، لا يعرف للموعظة إطالة، ولا للنصيحة إحالة، ولا للسماحة إدالة، ولا للعثرة غير الإقالة، فطوبى له وحسن مآب، وبشرى له بالفوز يوم يقوم الحساب، فعن أبي سعيد الخدري أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «قال الله تعالى: اطلبُوا الحوائِجَ من السُّمَحَاءِ فإنِّي جَعَلْتُ فِيهِم رَحْمَتِي»، فيا سماءً ما طاولتها سماء، ما كانت تصدر إلاَّ عن ضوئك الأضواء:

ذهبَ الصواب برأيه فكأنما آراؤُه اشتُقَّت من التأييدِ

فإذا دجَا خطبٌ تبلَّج رأيُه صُبحًا من التوفيق والتأييدِ

فهل نرى له من باقية، تكون لنا من بعده واقية، ولأسقامنا من نفثه راقية، ولعطاشنا من ورده ساقية. هذا الذي تهفو إليه نفوسنا، وترنو إليه قلوبنا، وتسمو إليه جموعنا، مستمسكة بحبل الله المتين، معتصمة بنور كتابه المبين، ولمثل هذا يحتفِي المحتفون، ولمثل هذا فليعمل العاملون.

تاسعا: القطبية العالمية

لقد طوَّح الشيخ الناصر رحمه الله المشارق والمغارب كالنجمة القطبية حكمة وعلمًا، وربط أوصال الأمَّة في الدائرة العالمية رحمة وحلمًا، ساعدته في ذلك مؤهلات إلهه، ودعوات مشايخه، وصالحات أعماله، وخالصات مقاصده، فهو بين الفقهاء فقيه، والعلماء عالم، وبين الأدباء أديب، وبين الظرفاء ظريف، وبين الخاصَّة خاصَّة، وبين العامَّة عامَّة، لا يحمل غير شهادة التوحيد شهادة، لكنَّه ينزل البلاد كالغيث إذا همى، ويؤتي أكله كالزرع إذا نما، لا ينفكُّ حالاًّ مرتحلا، بين أقصى البلاد وأدناها محتملا، لا تلين له قناة، ولا تفتر له

١٩٢ / ٣٤١