مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٣٤

عزيمة، وكانت النفوس إليه تهفو، ولشهود مجلسه ترنو، ولحضوره إليها تدعو، فيستجيب في غير تملُّص، ويقبل في غير تحرُّز مردِّدا مقولة أبي الطيب المتنبي:

أنا النجمُ الذي تستضي بي صُحبتي إذا حالَ من دُونِ النُّجومِ سَحَابُ

غَنيٌّ عن الأوطانِ لا يَسْتَفزُّني إلى بَلَدٍ سافرتُ عنهُ إِيَابُ

بدرٌ أنتم والله يُفتقد في اللَّيلة الظلماء، ونجم ولا زلتم يُشِعُّ في أفق السماء، وحصن يلوذ إليه الصحب خوفًا من العدا، وهاد يسترشد به من ترنو نفسه إلى الجوزاء، فتلك آثاركم تدل عليكم في كلِّ واد، وتشير إليكم في كلِّ ناد، وتمجدكم في صفائح الصدور، وتخلدكم في صحائف السطور. وكأنيِّ بكم ترددون في عزة وثبات مقولة الشاعر الأريب ابن الوردي:

قلْ للأُلى حسدوا علايَ وشهرتي أيهالُ ضرغامٌ بنبحِ كلابِ

ما أنتمُ مثلي وليسَ لنقصِكمْ فضلي ولا أسبابُكمْ أسبابي

كم ذا أجدُّ وتلعبونَ ألم تروا أنِّي امرؤٌ دأبُ العلومِ ودابي

أنا فارسُ المنظومِ والمنثورِ هلْ تسري المعاني تحتَ غيرِ ركابي

فدعوا ملامي ثم لوموا الناسَ إذْ قدْ أُولعوا بسؤالِهِمْ وجوابي

ومن ثمَّكان حريصًا على متابعة الحجِّ والعمرة، حتىَّ لقد قاربت الأربعين حجة، مقتديا في ذلك بالإمام أبي الشعثاء، تلميذ أمِّ المؤمنين الحميراء، وصاحب ابن عباس بلا مراء، حتى غدا المرشد الدينيَّ لبعثات الحجِّ لسنوات عديدة، وله في مسائله اجتهادات كثيرة، وكان يقول عن نفسه: لقد بلغت في مسائل الحج والعمرة درجة الاجتهاد، وفق الواقع المعيش في حاضر الحياة، وفقه المقاصد الكبرى للشريعة والمآلات. كما اشتُهر برحلاته العلمية الكثيرة، إلى مختلف أنحاء بلاد الجزائر، شماله وجنوبه، ومعظم دول العالم الإسلامي، مشرقه ومغربه، داعيا إلى الله، موحدا أمة رسول الله، فكانت له في كلِّ بلد بصمة، وفي كلِّ كبد بسمة، فخلَّف تراثًا فكريًّا بشريًّا يتمثَّل في آلاف الطلبة الذين تخرجوا من علمه، وكرعوا من نبعه، وتراثًا فكريا نثريًّا يتمثَّل في مئاتِ الفتاوى المبثوثة في مختلف الأنحاء، ومختصرِ تفسير الشيخ بيوض في ثمانية أجزاء، وبحوثٍ فقهيةٍ كثيرةٍ، وقصائدَ

١٩٣ / ٣٤١