مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٣٦لملاقاة طبيبه الذي يتابع فحصه غدًا، ولقد صدق الشيخ في كلامه حقًّا، ولكن كان اللِّقاء بعد خمس ساعات مع طبيب الأطبَّاء، خالق الداء والدواء، الذي قال له: إنَّه ليس لدائك شفاء في دار الفناء، وإنَّما دواؤك ستتناوله سائغا في دار البقاء. فيا مقلِّب القلوب ثبِّت قلوبنا على دينك. ويا مقدِّر الأمور إنَّا لا نسألك ردَّ قضائك ولكن نسألك اللطف فيه.
لقد كان آخرَ ما ختم به الشيخ حياته توديعُه معهدَ الحياة، محضنَه الأمين الذي ترعرع فيه، ومعقلَه الحصين الذي جاهد فيه، والثلَّة الطيبة من أخوانه الأساتذة المرابطين في أحد ثغور الإسلام، والبنوَّة الصاعدة من أبنائه الطلبة الذين هم بضاعته الغالية التيِّ يصنعها على عينه، كما حظي بتوديع صديقه الحميم، وحبيبه الكريم الشيخ أحمد الخليلي، أحد أقطاب الفكر في عالم الإسلام، كحال الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد إذ كان آخر من ودَّع قبل وفاته صديقه الكبير أبا سعيد الحسن البصري. على أنَّ آخر ما ودَّع من حياة الدنيا الفانية الصلاة التيِّ كانت أكبر همِّه، فقد أدركه الموت وهو بين يدي زوجته عائشة تعينه على إسباغ الوضوء استعدادًا لصلاة العصر، وما أدراك ما صلاة العصر، فهي الصلاة الوسطى على رأي أغلب المفسرين، ولكنَّه لم يدركها إلاَّ في الرفيق الأعلى بين رياض الجنان حيث الأحبة محمَّد وصحبه، وكأنَّه ختم عليه بخاتمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما روتها زوجته عائشة أمُّ المؤمنين إذ قالت: «دَخَلَعَبْدُالرَّحْمَنِبْنُأَبِيبَكْرٍعَلَىلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَأَنَامُسْنِدَتُهُإِلَىصَدْرِي، وَمَعَعَبْدِالرَّحْمَنِسِوَاكٌرَطْبٌيَسْتَنُّبِهِ، فَأَبَدَّهُرَسُولُاللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَصَرَهُ، فَأَخَذْتُالسِّوَاكَفَقَضَمْتُهُوَنَفَضْتُهُوَطَيَّبْتُهُثُمَّدَفَعْتُهُإِلَىلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَاسْتَنَّبِهِ، فَمَارَأَيْتُرَسُولَاللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - اسْتَنَّاسْتِنَانًاقَطُّأَحْسَنَمِنْهُ، فَمَاأَنْفَرَغَرَسُولُ - صلى الله عليه وسلم - رَفَعَيَدَهُأَوْإِصْبَعَهُثُمَّقَالَ: فِيالرَّفِيقِالأَعْلَىثَلاثًا، ثُمَّقَضَى، وَكَانَتْتَقُولُمَاتَبَيْنَحَاقِنَتِيوَذَاقِنَتِي». فنعمت الخاتمة خاتمته، ونعمت الموتة موتته، فطوبى له وحسن مآب. لقد حجَّت لتوديع الشيخ الجليل إلى رياض قبره جموع غفيرة رجالا وعلى كلِّ ضامر من كلِّ فج عميق، في جنازة مهيبة لم تشهد القرارة مثلها طيلة عمرها، وأبَّنه من أقصي المعمورة وأدناها عامة الناس وسادتهم، فأعظم به فضلا ونبلا، وأكرم به خُبْرًا وذكرًا.
علوٌّ في الحياة وفي الممات … لحقٌّ تلك إحدى المعجزات