مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٤٦في هذه الديار هو الذي تظنُّ أنَّه تذلَّل لهم واستخذى وانخدع واستأمن جهلا بلغتهم! ومن أحذقُ بلغة الاستعمار ممَّن قضى عمره كلَّه وقد نيَّف على الخمسين ولم يزل بين ماضغي الاستعمار، يضرَّس بأنيابه ويُوطَأ بمناسمه منذ كان وهو في الخامسة من عمره يذهب إلى الكتَّاب فيجد الباب مُغلقا لأنَّ «الرُّومي» قد جاء إلى البلد. ويسمع مرارًا عن المؤدِّب وهو ينادي في الصبيان في أواخر بعض العشايا «لا تقدموا غدًا فإنَّ الرومييزور البلد» فنلعنُ الروميَّالذي يمنع كتاب الله أن يُتلَى، ثمَّ نختفي عن الأنظار خوفًا على أنفسنا من سياط الزائر «الكريم» وعلى مؤدِّبنا من السجن والتعذيب، حتَّى كان مؤدِّبُنا معلِّما يربِّي أمَّة ويخلق أجيالاً ويدير مؤسَّساتٍ ويقوم بأعمال كلُّها ضدَّ الاستعمار في عقر داره، وتحت كابوسه حتَّى أخرج لأمَّته جيلاً من شباب هم عدَّتها في المدلهِمَّات وزينةً في الحفلات؛ دينٌ وخلقٌ وعلمٌ وأدبٌ ووطنيَّةٌ وغيرةٌ وطموحٌ إلى المعالي شجًى في حلوق الظالمين وقذًى في أعين المستبدِّين، حلوُ الفكاهة مرُّ الجدِّ يتَّقدون غيرةً وحماسًا، لولا أنّنا نكبح جماحهم لأتوا بالعجب، قد امتحنَّاهم فتكشَّف الامتحان عمَّا ملأ القلوب غبطةً وانشراحًا وطمأنينة. خُضنا بهم معارك ودفعناهم إلى المخاطر فأبلوا فيها البلاء الحسن وعادوا ظافرين، قد عمروا اليوم ميادين وسدُّوا ثغورًا ومن ورائهم أجيالٌ متتابعة تسير على وتيرتهم، قد أصبحوا في الأمَّة مطمح أنظارٍ ومضربَ أمثالٍ. وإنَّ الإدارة ـ والله ـ لتَقرَأُ لهم حسابًا، ويكفي أحدهم أن يقول في بيان هويَّته: «تلميذُ بيُّوض» حتى يُنظر إليه نظرةً خاصَّة، ويُعامل معاملةً خاصَّة أيَّا كانت(1).
(1) - من غريب تناقضات التاريخ أنَّ كثيرًا من هؤلاء التلاميذ الذين تحدَّث عنهم الشيخ، وكانت الإدارة الاستعماريَّة تحسب لهم ألفَ حسابٍ، وتعتبرُهم أعداءَها الألدَّاء، أنكر بعض انصاف المسؤولين في الحزب الحاكم بغرداية بعد الاستقلال فضلَهم، فكان يكفي أن يُعرف عن أحدهم بأنه «تلميذُ الشيخ بيُّوض» لينظروا إليه نظرة خاصَّة، ويجحدوا تاريخه النضاليَّ، ويحرموه من بطاقة الاعتراف بجهاده الثوري، ناهيك عن تقليده منصبًا إداريًّا، أو مسؤوليةً رسميَّة عسكرية أو مدنية! لمزيد اطلاعٍفي هذه المسألة ينظر كتابَي: أبو العلا محمد بن سليمان، «صفحاتٌ من الكفاح، لمجاهدي القرارة في الثورة التحريرية» نشر جمعية التراث 2006، و «صفحاتٌ من الكفاح، خاص بالشيخ بيُّوض ضدَّ الاستعمار الفرنسي في الجزائر» نشر جمعية التراث، 2012.