مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٤٧

أيصنع هذا من يستكينُ ويستخذي ومن يقدِّم حظَّ نفسه ومن يتعشَّق الوظائف ومن يستأمن وينخدع ومن لا يفهم لغة الاستعمار؟

لقد نَكَبَكَ الاستعمارُ أفدح نكبةٍ أيُّها الشيخ إذ أقصاك عن بلدك، لكنَّه دفع بك إلى «الكنانة» فعشتَ فيها رُبعَ قرنٍ حُرًّا طليقًا لا تُحسُّ للاستعمار من أثرٍ ولا تسمع له ركزًا، إلاَّ ما تقرؤه في الكتب والصحف، وشتَّان بين هذا وبين من قضى عمرَه في بؤرة الاستعمار والاستعباد، وليس عايشًا فيها عيشة فردٍ عاديٍّ قد لا تكتحل عينُه بحاكمٍ من حكَّامه أعوامًا طوالاً، ولا عيشة النَّكراتِ من النَّاس، بل يعيش عيشة قائمٍ بأعمالٍ لها خطرُها تجعلُه مُرَاقَبًا في كلِّ لحظة، محاسَبًا على كلِّ حركةٍ، مضروبةٌ حوله الأرصاد والعيون، وتُخلق له من بني جلدته أعداءٌ وحَسَدَة، وخصومًا لا يفتأون يمكرون به، يَسعَون ويَشُون، ويتَّهمونه لدى ذوي السلطان الظلمة بما يوغر صدورهم عليه ممَّا كان وممَّا لا يكون، وذلك بطبيعته يقتضي أن يُجَرَّ إلى مواقف الاتِّهام أمام السادة الحكَّام، ويعيش عيشة مُطالِبٍ بحقوق مُغتَصَبَة، مُدافعٍ لمظالمٍ واقعةٍ أو متوَقَّعة، وهذا يقتضي الاختلاف إلى مكاتبهم، والكتابة والردَّ على كُتبهم، ودحض شُبَههم، مع اتِّقاء شرورهم، وتجنُّب إثارة سخطهم، وإيغار صدورهم، وفي كلتا الحالتين إمَّا أن يُنجيَه حذقُه وبصرُه بأساليبهم في الخطاب والجواب، ولطفُه في المدخل والمخرج، ومرونتُه السياسيَّة، وإمَّا أن يُرديه جهلُه وتهوُّره وخرقُه!

ومن عالج ذا ثلاثين عامًا أدرك فيها ما ابتغاه ونال مراده ومُتمنَّاه، ولم يزل ماضيًا في سبيله صحيح الدين، متين الخلق، قويَّ الإرادة، صارم العزم، حاملاً راية الدفاع عن أمَّته ضدَّ الظلَمَة من ذوي السلطان وأذنابها من حُمر الاستعمار، لا يقال فيه: «إنَّه لا يفهم لغة الاستعمار»!

هل ميزاب بلاد حماية؟

لا أتعجَّل الجواب؛ فالموضوع جدُّ خطيرٍ، لكنَّني أعرضه بحثًا مختصرًا ودراسة قصيرةً، وعلى الشيخ بعد أن يحكم.

٢٠٦ / ٣٤١