مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٥٠نتدخَّل في أموركم الداخليَّة ( vos affaires interieures) وستبقون من هذه الناحية مثل ما كنتم في الماضي».
فتأمَّل جيِّدا كلمة «أموركم» ( vos affaires)، وأنت تعلم مرونتها؛ وهل تشمل في لغة السياسة الإدارةَ والحكمَ؟ وهل يصحُّ الاعتماد عليها عند النزاع؟ إنِّي والله في ريبة من ذلك، وأرى الذين قبلوها وأمضَوها هم الذين لم يفهموا لغة الاستعمار، على أنِّي ـ والله ـ أُكبِرُ عملَهم وأُجلُّه، وأرى أنَّ ذلك أقصى ما قدروا عليه(1). ولا أتعرَّض للتصريحات الأخرى من بعض الولاة والمسؤولين، لأنَّها كلَّها متفرِّعة عن هذا الأصل.
وأمَّا من حيث الواقع؛ فإنَّ ميزاب لم يتَّصل يومًا بوزارة الخارجيَّة، ولم يزل متَّصلا بوزارة الداخلية من طريق حاكم المستعمرة، وقد قيل إنَّه كان وقتا مَّا متَّصلا بوزارة الحربية من طريق القائد الأعلى لجيش الاحتلال. ولم يكن في ميزاب ذو سلطانٍ تصدُر الشرائعُ وتُنفَّذ الأحكام باسمه، لا فردٌ ولا هيئة، ولم يزل قضاتُه يكتبُون في رسوم الأحكام العبارة التقليدية: «الحاكم الجمهوريُّ الفرنسيُّ أمر وأوصى جميع العمَّال والمتصرِّفين إلخ» …
ولم يزل أمرُ التوليةِ والعزلِ في جميع الوظائف، شرعيَّة كانت أم إداريَّة، في جميع الدرجات بيد الحكومة الفرنسوية، لا يصدُر شيءٌ من ذلك إلاَّ باسم الوالي العام ممثِّل الحكومة الجمهوريَّة، أو حكومة الملك، أو رئيس الدولة، حسب تقلُّبات أوضاع الحكم في فرنسا، لا شيء من ذلك في يد الأمَّة مطلقًا! وإن كان يُطلَبَ إلى سراتها في سنوات الاحتلال الأولى أن تقدِّم أسماء مُرشَّحِين للوظيف الشاغر، إلاَّ أنَّ الاختيار والتعيين إنَّما هو بيد الحاكم وحده، باسم دولته لا باسم
(1) -هنا يظهر للقارئ الكريم حنكة الشيخ بيُّوض السياسية والتاريخية، وأنه قرأ الواقعة التاريخية المعروفة بمعاهدة الخضوع أو الحماية (1853) وفق إطارها الزمني، والملابسات والظروف التي دفعت أعيان ميزاب آنذاك لتوقيعها. في حين نجد اليوم بعض من يكتب في تاريخ وداي ميزاب ـ بعنصرية وبغير تجرد علمي ـ ينظر للواقعة بمنطق رجعي فيتهم أعلام ذلك الزمن بالتواطؤ والعمالة والخيانة، وهم برآء من كل ذلك، فليُتأمل!