مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٥١الأمَّة، ولا باسم ذي سلطانٍ فيها. وحتَّى شيوخُ العشائر الذين يُنتخبون انتخابًا على ضيق دائرة سلطتهم، وحصر أعمالهم في جمع الغرامة ومعونة القائد في تنفيذ أوامر الحكومة، وبعض الإصلاحات البلديَّة الداخليَّة، لا يستطيعون أن يقوموا بعمل مَّا مهما كان تافهًا حقيرًا وكانت فائدته كبيرة للسكان، ولم يكن بحيث يمسُّ نفوذ الدولة أو سلطة الحاكم، إلاَّ بعد أن يقدِّموا في ذلك عريضةً مفصَّلةً كلَّ التفصيل لمشروعهم هذا، أو يطلبوا الإذن والموافقة من السيِّد الحاكم، والأمرُ بعد ذلك له وحده، إن شاء أذن وإن شاء منع.
وهذا الانتخابُ لشيوخ العشائر الذي كنَّا نعدُّه ميزةً من ميزات ميزاب يوم كانت هذه المناطق الصحراوية محرومة منه، إنَّما كان بقرارٍ صادرٍ من الوالي العام، إلاَّ أنَّه مقيَّدٌ بحقِّ الرفض ( Veto) الذي خوَّله الحاكمَ العسكريَّ. فللحاكم أن يرفُض مُنتخَب عشيرةٍ، أو يقول لهم أبدلوا به غيره، فإن امتثلوا وإلاَّ قدَّم عليهم شيخًا رغم أنوفهم لدورة كاملة من دورات الانتخاب. وقد نعِمنَا ـ والحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه ـ زمنا طويلا تحت رحمة شيوخ فُرِضُوا علينا فرضًا بعد إصرارنا، فرفعنا قضايانا إلى مجلس الدولة طمعًا في العدالة، فدفع في صدورنا وقيل إنَّ ذلك حقٌّ من حقوق الحاكم العسكري لا يُنسخ، لكنَّنا واصلنا كفاحنا حتَّى قيَّض الله لنا من قَبلَ شكوانا، فأنصَفَنا في هذه القضيَّة الوالي العام (شاتينيون) الذي هو اليوم سفيرٌ لفرنسا في موسكو، وقال لنا في مكتبه يوم 9 يونيو 1947 وقد قدَّمنا له عريضة من مطالبنا(1)، وفيها هذا ونحن خمسة:
(1) - هذه العريضة تعد وثيقة تاريخية مهمَّة في تاريخ علاقة وادي ميزاب بالإدارة الفرنسية الاستعمارية، وتعتبر المطالب الواردة فيها ـ والتي أطلق عليها صفة «الإصلاحات» ـ مطالب ترقى إلى مطالب الحكم الذاتي والاستقلال والحرية، في وقت كان فيه الحس الوطني الجزائري التحرري ضعيفا بشكل عام في الجنوب على الأقل. حرِّرت العريضة بميزاب يوم الجمعة 19/ 06/1366هـ يوافقه10/ 05/1947م بالنيابة عن الأمَّة الميزابية. ينظر نص الوثيقة: الحاج امحمد عمر بن عيسى العطفي: «مذكرات ووثائق رسمية عن وادي ميزاب»، ص ص06ـ12.