مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤١

وأحسب أنَّ سلوك الشيخ ناصر القويم، وتمسُّكه الشديد بالدين، والتزامه السديد بمظاهره فعلا وتركا، وقبل هذا وذاك محبَّة الناس له وإقبالُهم على دروسه ولاسيما العامَّة منها كل هذه المؤهلات رشحته لهذه المهمَّة العظيمة التي نجح فيها ووُفق بفضل الله وعنايته، وقلما أُسنِدت هذه المهمَّة لكهل أو لشابٍّ في ظل الصِّيت الذائع الذي كان يرنُّ صداه في محراب مسجد القرارة من دروس الشيخ بيُّوض، الذي كان الفارس المجلَّى في منبر المسجد العتيق كما هو معلوم.

وما لبث - بعد وفاة الشيخ بيُّوض سنة 1981م - أن تفرَّد بهذا المنبر الذي لم ينافسه فيه سوى قلة قليلة من المشايخ الكهول الآخرين من أمثال الشيخ محمد بن بابا الشيخ بالحاج، والشيخ بكير بن محمد الشيخ بالحاج باشعادل، والشيخ محمَّد بيُّوض بن إبراهيم بيُّوض، والشيخ محمد بن الحاج عيسى فخَّار، ومن جاء بعد ذلك من دعاة شباب. وقد تميَّز كلُّ واحد من هؤلاء بطريقته وأسلوبه وجمهوره أيضًا. وهم قلَّما جمعوا ما جمعه الشيخ الناصر من رضى العامَّة، ولاسيما الجنس اللطيف، من النساء اللائي كن يُفضِّلن منهجه وطريقته المبسَّطة، واقترابه من أفكارهن واختيارهن، وقد ساعدته خبرته واحتكاكه بمشاكلهن مدَّة طويلة فكنَّ يُقبلن على دروسه وفتاواه، ويفضِّلن الاستماع إليه دون غيره؛ فكنَّ يقصدنه في بيته بطريقة مباشرة أو بواسطة (تمسيريدين)، وكنتُ كثيرًا ما سمعتُ إحداهُنَّ وهي أمِّي من الرضاعة المرحومة «عائشة بنت الحاج عمر بن يحي» تُعبِّر لي عن رضاها عن الشيخ الناصر، وتُبدي إعجابها الشديد بورعه وفقهه وأسلوبه.

ومع مرور الوقت أخذ صيتُ الشيخ ناصر يتَّسع إلى بلدان وقرى أخرى مثل ورقلة وتقُّرت، وباتنة، وقسنطينة، والجزائر العاصمة، ووهران وغيرها. هذا إضافة إلى قرى وادي ميزاب. وقد تكرَّرت سفريات الشيخ ناصر إلى قرى وادي ميزاب فأطال الإقامة بها ولاسيما غرداية، والعطف، وبنورة، ومليكة، وأخذ بذلك يَكثُر تغيُّبه عن مسجد القرارة إلاَّ في المناسبات؛ مثل شهر رمضان الذي كان يلتزم بحضوره إن لم يكن غائبا في عمرة.

وأحسب أنَّ من أهمِّ العوامل التي ساندت الشيخ ناصر في دعوته فجمعت هذا الجمهور العريض من حوله سفرياتُه المتكرِّرة إلى البقاع المقدَّسة حجًّا وعمرة؛ حتى قيل إنها تجاوزت الأربعين، وقد ظلَّ وفيا لتلك الرحلات، واستعصى على المسؤولين على

٢١ / ٣٤١