مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٥٣تدخَّلت الإدارة في كلِّ شيء؛ فلا فتح لمدرسةٍ، ولا لقسمٍ، ولا تعيين لمعلِّمٍ في مدرسةٍ مُرخَّصةٍ، ولا تأسيس لجمعيَّةٍ أو شركةٍ أو نقابةٍ إلاَّ برخصة، والطريق إليها طويلٌ، والشقَّة بعيدة، ولا بناء ولا حقَّ إلاَّ بإذن، ولا أدب بسوطٍ في مسجدٍ، ولا في عشيرةٍ، ولا في محضرةٍ، ولا في مدرسةٍ، ولا في بيتٍ، ولو من الأب لابنه أو ابنته على فاحشة، لأنَّ التعذيب الجسديَّ ممنوعٌ قانونًا، ولأنَّ الزجر من خصائص الإدارة، ولأنَّ الناس أحرارٌ إلاَّ فيما يُعكِّر صفو الأمن العام، ولأنَّ البنين والبنات «أولادُ البايليك»! هذه الكلمات تسمعها بالحرف من شفاه رجال الإدارة في مناسباتها. وقد تقابلت فتاةٌ مع أبيها أمام حاكمٍ، وكانت فرَّت مع خليلٍ استهواها، فردَّها الأبُ، فقال الحاكم للأب: «لا سلطان لك عليها، وقد بلغت الحُلُم، فلتذهب مع من تريد»!، ورُفِع أمرُ والدٍ أدَّبَ ولَدَه على شُرب الدُّخان إلى الحاكم فدعاهما وزجر الأبَ وتوعَّده، وأعطى الابن سيجارةً وقال «تكيَّف» أمام والده … ! وفي الزوايا خبايا لو شئت لكشفتُ لك عن أسرارها، لكن هذه العيِّنة تكفيك.
لقد جاهدنا طويلا في سبيل غلق حانات ومواخير بميزاب، فرُدِدنا على أعقابنا خاسرين، لأنَّ القانون رخَّص لهم، ولأنَّهم يُؤَدُّون الضريبة المقرَّرة. ولم ينفعنا في هذا اتّحادُ كلمة الأمَّة ولا إجماعٌ ولا إعطاءُ الحماية! فما أدري ـ والله ـ أيَّ شيءٍ بقيت إدارتُه بيد الأمَّة؟
قالوا: إنَّ شيوخ العشائر هم الذين يجمعون الضرائب من عشائرهم ثمَّ يدفعونها، أهذا استقلال؟ أي والله لقد وجدت الإدارةُ قومًا يعملون لها بغير أجر! تُسخِّرهم تسخير الأنعام، وتسخَرُ منهم وتستهزئ بهم، على أنَّ هذا خاصٌّ بالضريبة الأولى المقرَّرة في المعاهدة، مع أنَّ الحكومة ضاعفتها أضعافا كثيرة بلا مشاورة للأمَّة ولا اتِّفاق، ولا تزال ترفعها في كلِّ عام، ولا يُكلِّفها إلاَّ أن تُصدِرَ أمرها ثمَّ تُعلِنَه، ومن توزيعها الذي نصَّت المعاهدة أنَّه بيد الأمَّة لا يقرَّر اليوم إلاَّ بعد عرضه على الحاكم كتابة في صورة اتِّفاق، وموافقته كتابة كذلك.
أمَّا ضرائب المكوس على الأسواق والمجازر، ورسوم التسجيل للرسوم المدنيَّة من بيعٍ ورهنٍ وقسمةٍ وغير ذلك، وغرامة الإرث المرهِقَة التي أذابت الشحم، وأكلت