مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٥٤اللحم، وانتَقَتِ العظمَ(1)،فأمرُها كلُّها راجعٌ إلى إدارتها القانونيَّة المختصَّة، لا شأن للأمَّة فيها إلاَّ الإذعانُ والدفع.
قالوا: المساجدُ والأوقافُ؛ وتبجَّحوا بهذا بملء أشداقهم. قلنا: عجبًا وما للحكومة ومساجد ميزاب وأوقافه، وقد أعطي بيده واستسلم ولم يؤخذ عنوة؟ وهل استولت الحكومة إلاَّ على ما صادرته أيَّام الاحتلال وعند إخماد بعض الثورات المحلِّية؟ هذه مئات من المساجد في جميع أنحاء القطر الجزائري وهذه أملاكٌ لا تُعدُّ ولا تُحصى موقوفةٌ عليها لم تتعرَّض لها الحكومة بسوءٍ بل بقيت حرَّة يديرها أصحابها كيف شاؤوا لأنَّها ممَّا استسلم أصحابُها كميزاب، أو ممَّا وُقِّف وبُنِي بعد الاحتلال، كهذه العشرات من المساجد التي شُيِّدت في السنوات العشر الأخيرة بعد صدور قرار (ميشال)، فلا ميزة ولا مزيَّة. على أنَّ أكثر أوقاف ميزاب ليست قائمة العين، بل حقوقًا في ذمم معلَّقة بأملاك معيَّنة تصنع خبزًا وطعامًا للفقراء والمساكين وتعطى وقودًا للمسجد يستضاء به وما أشبه ذلك.
أمَّا الدينُ والعبادةُ؛ فلا شأن للحكومة فيه، وليس فيه احتلالٌ ولا استغلالٌ، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. آمن أناسٌ بباريس وكفر آخرون بمكَّة. من يهدي الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدا.
قالوا: القضاءُ؛ فقلنا: لا ميزة مطلقًا؛ المحاكم في القطر الجزائري ثلاثة: إباضية ومالكية وحنفية. فأمَّا التَّولِيَةُ والعزلُ فأمرُهما في الجميع إلى الحكومة الفرنسيَّة، وأمَّا النُّظُم والإجراءات والأجورُ فكلُّها متشابهة متساوية، من وضع وزير العدلية، بإذن الحكومة الفرنسية، إلاَّ ما كان من فَرْقٍ يُقرِّره القانونُ أيضًا بين محاكم الشمال ومحاكم الجنوب. وأمَّا أصول الأحكام ومستنداتُها فالكتُب المعتبرةُ في كلِّ مذهب من المذاهب الثلاثة، والشريعة العرفيَّة في بلاد القبائل الأخرى، ولا شأن للحكومة في هذا أبدًا، وإنَّما الأمرُ كلُّه إلى القاضي.
(1) -اِنْتَقَى العَظْمَ: أَخْرَجَ نَقاهُ، أَي مُخَّهُ ولُبَّه.