مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٣٨خرِّيجي المعاهد وبعثات تونس المتخصِّصين في الشريعة الإسلاميَّة، وقد رأت الجمعية أن الوحدة الوطنيَّة عامل مهمٌّ من عوامل الالتقاء بين الجزائريِّين، وأساسا مكينا من أسس بقاء كيانهم واستمرار وجودهم التَّاريخي، والحضاري(1). ورغم أن الجمعية تنصُّ في قانونها الأساسيعلى أنَّها جمعية إرشاديَّةٌ تهذيبيَّة، وأنَّه لا يسوغ لهذه الجمعية بأيِّ حال من الأحوال أن تتدخَّل في المسائل السياسيَّة، إلاَّ أن هذه التقيَّة كانت لدرِّ الرَّماد في عيون الاستعمار وأذنابه، فقد كان شعار الجمعية ـ العربيَّة لُغتُنا، والإسلامُ دينُنا، والجزائرُ وطنُنا ـ وهذا هو أساس النضال السياسيِّ، وقلع الاستعمار من جذوره، بإحياء عناصر الهويَّة الوطنيَّة، وتحضيره للثورة المسلَّحة، وهو عمل إستراتيجيٌّ هام بمقياس تلك الفترة وتلك الظروف(2).
كانت الثلَّة الأولى من العلماء في مدن الشَّمال وفي الجنوب منهم تلاميذ قطب الأئمَّة الشيخ اطفيش، ومن تلاميذ زاوية الهامل، فتكوَّنت لجنة مباركة منهم لوضع قانونها الأساسي، فكان من واضعيه الشَّيخ بيُّوض إبراهيم والشَّيخ البشير الإبراهيمي، والشَّيخ الطَّيِّب العقبي، والشَّيخ أحمد توفيق المدني، والشَّيخ محمد خير الدِّين، وذلك في غياب الشَّيخ عبد الحميد ابن باديس، فتمَّ وضعُ القانون الأساسي والاتِّفاق على إسناد الرئاسة للشَّيخ ابن باديس، فانتخبوه غيابيًّا، ووجَّهوا له الدَّعوة فحاول التَّنازل عن الرئاسة للشَّيخ البشير الإبراهيمي، لكنَّ الجميع أصرَّ على رئاسة ابن باديس، فتمَّ ذلك في يوم مشهود، هو الخامس من ماي 1931م، في مركزها الأوَّل «نادي التَّرقِّي» بالعاصمة.
لقد كان من أطماع العدوِّ الفرنسيِّ تحطيمُ الوحدة الوطنيَّة وزرع العصبيَّات والعرقيَّات والمذهبيَّات، وتركها تتصارع وتتناحر، والشَّعب الجزائري في تلك الظروف كان في أمسِّ الحاجة إلى إعادة التفكير في مقوِّمات وحدته ونبذ الخلاف والتعصُّب، خصوصا التعصُّب المذهبي؛ لأنَّ الصراع الديني يُعدُّ من أعنف وأقسى أنواع الصراعات
(1) ـد. فلوسيمسعود، مجلةالحياة، ص41.
(2) ـمحمدالعيدتاورتة، إسهاماتجمعيّةالعلماءللإعدادلثورةنوفمبر، مجلةالإحياءالعدد01،ص219.