مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٣٩

في العالم، وكانت رؤية الشيخ عبد الحميد ابن باديس في الحفاظ على الوحدة الوطنيَّة من أهمِّ محاور العمل الإصلاحي، الذي قاده في واقع المجتمع الجزائري خلال النّصف الأوَّل من القرن الماضي(1).

إنَّ منهج جمعية العلماء في الإصلاح الديني والاجتماعي كان شاملا لكلِّ جوانب الحياة، بداية من انتشال الأمَّة الجزائريَّة من أوحال الجهل والتخلُّف والاستعباد، والعمل على استنهاض فكر الأمَّة إلى مستوى الأمم الرَّاقية.

ولعلَّ أخطر أساليب الاستعمار في تشتيت الوحدة الوطنيَّة تأجيج أسباب الفرقة والشقاق بين أفراد المجتمع بإثارة النَّعرات العرقيَّة والجهويَّة، واللُّغويَّة، والعمل على حمل الجزائريِّين على الاشتغال بها، والغفلة عن غيرها من القضايا المصيريَّة. يقول الشيخ عبد الحميد ابن باديس في ذلك: «لقد كان هذا العبدُ ـ يتحدَّث عن نفسه ـ يُشاهد قبل عقد من السِّنين هذا القطر قريبًا من الفناء، ليست له مدارس تُعلِّمه، وليس له رجال يدافعون عنه ويموتون عليه، بل كان في اضطراب دائم مستمرٍّ، ويا ليته كان في حالة هناء، وكان أبناؤنا يومئذ لا يذهبون إلاَّ إلى المدارس الأجنبيّة، التي لا تعطيهم غالبا من العلم إلاَّ ذلك الفتات الذي يملأ أدمغتهم بالسفاسف، حتى إذا خرجوا منها خرجوا جاهلين دينهم ولغتهم وقوميَّتهم وقد ينكرونها»(2).

كانت جمعية العلماء مدركة أنَّ الوحدة الوطنيَّة لا يمكن أن تُبنى بدون إحياء ما تبقَّى من مقوِّمات الشخصية الوطنيَّة بكلِّ أبعادها، وكلِّ المقومات المشتركة التي تجمع بين أفراد الشعب الجزائري، ويرى الشيخ عبد الحميد ابن باديس أنَّ الوحدة الوطنيَّة فريضة دينيَّة، إذ يقول: «الواجب على كلِّ فرد من أفراد المؤمنين أن يكون لكل فرد من أفراد المؤمنين كالبنيان في التَّضامن والالتحام، حتَّى يكون منهم جسد واحدٌ، كما قال الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -: «مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا

(1) ـد. فلوسيمسعود، مجلةالحياة، ص41.

(2) ـآثارالإمامعبدالحميدبنباديس، ج4،ص148.

٢٢٢ / ٣٤١