مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٤٠اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحمى»(1)،ألا ترى البنيان كيف يتركَّب من الحجارة الكبيرة والصغيرة والمواد الأخرى التي تلحم بها الحجارة وتُكسى، وكلُّ ذلك محتاجٌ إليه في تشييد البنيان، فكذلك مجتمع المؤمنين فإنَّه متكوِّن من جميع أفرادهم على اختلاف طبقاتهم فالكبير والجليل له مكانه، والصغير والحقير له مكانه، وعلى كلِّ واحدٍ أن يسدَّ الثغرة التي من ناحيته، مع شعوره بارتباطه مع غيره من جميع أجزاء البنيان التي لا غناء لها عنه، كما لا غناء له عن كلِّ واحد منها، فكلُّ واحد من المؤمنين عليه تبعته، بمقدار المركز الذي هو فيه، والقدرة التي، ولا يجوز لأحد وإن كان أحقر حقير أن يبخل بواجبه من ناحيته، فإنَّه إن أزيل حجر صغير من بنيان كبير دخل فيه الخلل بمقدار ما أزيل، وإذا ابتدأ الخلل من الصغير تطرَّق إلى الكبير»(2).
يرى الشيخ عبد الحميد بن باديس أنَّ الإسلام دين أخوَّة وإنسانيَّة ومحبَّة وتسامح وتضامن بين كلِّ المجتمعات الإنسانيَّة بجميع أجناسها وأعراقها ومللها ونحلها، ونهى عن التعصُّب والحقد والنَّعرات الضيِّقة وذلك بنصِّ قوله تعالى: يَآ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)(3).
كان همُّ الشيخ ابن باديس رحمه الله، الحفاظ على وحدة الشعب الجزائريِّ وتماسكه كي يكون قوةً أمام الاستعمار، الذي تعمَّد تفريقه وزرع الفتنة بين أفراده، تارة باسم اللغة، وتارة باسم المذهبيَّة … ويستدلالشيخ بما مرَّت به الأمَّة الإسلاميَّة في تاريخها من تشتُّت وتشرذم، وما شهدته من فتن وافتراق، أدَّت إلى انهيار حضارة المسلمين، يقول: «لقد كان افتراقهم السببَ الأوَّل الأقوى لجميع البلايا والمحن الداخليَّة والخارجيَّة، التي لحقتهم في جميع أجيالهم، أيَّام قوَّتهم وأيَّام ضعفهم، وإنَّ تاريخهم لعبرة، وإنَّ في أنبائهم لمزدجرًا». ثمَّ يوجِّه خطابه إلى الشعب الجزائري فيقول:
(1) ـرواهمسلمفيصحيحهعنالنّعمانبنبشير، كتابالبرّوالصّلةوالآداب، رقم4685.
(2) ـمجالسالتذّكيرمنحديثالبشيرالنّذير، ص155ـ151بتصرف.
(3) ـسورةالحجرات، الآية13.