مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٤٢يفصِّل الشيخ عبد الحميد ابن باديس عناصر الهويَّة ويوضِّح أبعادها وأثرها في تماسك الشعب الجزائري فيقول: «تختلف الشعوب بمقوِّماتها ومميِّزاتها، كما يختلف الأفراد. ولا بقاء لشعب إلاَّ ببقاء مقوِّماته ومميِّزاته كالشَّأن في الأفراد، فالجنسية والقومية هي مجموع تلك المميِّزات والمقوِّمات، وهذه المقومات والمميِّزات هي اللُّغة التي يُعبِّر بها ويَتأدَّب بآدابها، والعقيدة التي يبني حياته على أساسها، والذكريات التاريخية التي يعيش عليها وينظر لمستقبله من خلالها، والشعور المشترك بينه وبين من يشاركه في هذه المقوِّمات والمميِّزات»(1).
لما وصلت الدعوة إلى الشيخ بيُّوض بواسطة الشيخ عمر إسماعيل، استبشر خيرًا وردَّ على قبول الدَّعوة والاستجابة لها بما يلي: «سيِّدي إنَّ منظر الشَّعب الجزائري والأمراض الاجتماعيَّة منه تهدُّ قواه، وتهدم بنيانه، وسبل الإلحاد والتفرنُج تتَّخذ في جسده شكلا مريعًا، ونفايات الأسبان والطليان يبتزُّون أمواله ويمتصُّون دماءه، ويتَّخذون من أبنائه الأحرار عبيدًا، ويجثون أمامهم على الرُّكب رُكَّعا، ويَخرُّون للأذقان سُجَّدًا على الأتربة والقاذورات، فتتَّسخ ثيابهم وأيديهم وأرجلهم وجباههم ووجوههم، لتنظيف نعال سادتهم، يتعبون ليستريحوا، ويشقون لينعموا، ويسهرون ليناموا، وأخيرا يموتون ليحيوا، إنَّه لمنظرٌ يُفتِّت الأكباد ويُذيب القلوب حسرةً وأسى، وإنَّ تفكُّك روابط الجزائريِّين والمصاب عظيمٌ، وانفصام عراهم، والخطب ملمٌّ، وتنازعهم والبلاء بهم محيط، واختلافهم البيزنطي والخطر محدقٌ، وغطيطهم في سباتهم، والويلات تتوالى عليهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، وتأخُّرهم دنيًا وخلقًا وعلمًا وصناعة وبناء، وإخلادُهم للدَّعة والسكون، ورضاهم بالدُّون، وقد سبقتهم إلى قسبات السَّبق في ميدان الحضارة والرُّقيِّ شعوبٌ لم يكن لها مثل تاريخهم، ولا مثل حضارتهم وفنونهم، ومثل أبطالهم ونوابغهم، شعوبٌ كانت متوحِّشة إلى عهد قريب وجودهم وقد نفض الجماد، وسار وطار وغاص في لجج البحار، وتصاممهم وقد انزعجت بأصوات النُّذُرِ الطُّيورُ في أوكارها، والأنعام في
(1) ـالشّهاب، ج: 12،م: 12ذيالحجّة1355هفيفري1937م.