مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٣

صحراوية، أو جولة في الغابة، أو سفر بعيد مثل تونس، وجربة أو سلطنة عُمان أو الكويت أو غيرها.

ولم أر الشيخ ناصر تخلَّى عن لباسه الميزابي ذاك إلا عندما كان مدرِّسا بمدرسة العُمانيين في القاهرة ما بين (1962 - 1965) حيث لبس اللباس الأزهري؛ فكنتَ تحسبه شيخا من شيوخ الأزهر بعمامته وقفطانه ولحيته السوداء المسترسلة.

وحتى وهو في هذا اللباس لم يكن يعرف الأناقة والترف، لا في الشكل ولا في الهيأة، مما يوحي بزهده الشديد، وبعده الواضح عن كل مظاهر التأنق والتجمل.

وقد رأيته أكثر من مرة في لقاءاته مع الوزراء والمسؤولين الكبار في الجزائر وسلطنة عُمان كيف يخاطبهم بالبساطة نفسها التي يخاطب بها العامَّة من الناس، لا يفتعل المواقف، ولا يختار الكلمات، ولا يتحرَّج في إرسال نفسه على سجيتها وطبيعتها، مهما كان المتحدِّث إليه ذا مستوى اجتماعي مرموق.

ثم تلمس بساطته المتناهية في مسكنه وأثاث بيته، إذ لا ترى في داره في القرارة علوًّا شاهقا، ولا صالة مُترفة، بل ولا مكتبة أنيقة، ولعله اختار مكانها مطلة على المقبرة مباشرة لا يفصل بينه وبينها سوى شارع ضيِّق لا يزيد عرضه عن ثلاثة أمتار، فهل هو تعبير آخر من الشيخ الناصر عن زهده في الحياة الدنيا ومتاعها، وانصرافه إلى الدار الباقية عن الدار الفانية؟ وكأنَّ لسان حاله يقول: إن سكني المحبَّب هو في جنَّة الخلد ما دامت النهاية هي هذه القبور الصامتة الخرساء. وعندما كان بالقاهرة سكن في حي شعبي من أحياء القاهرة قريبا من (شُبرا) على الرغم من أنَّ المدرسة كانت في حي الزمالك الراقي.

على أنَّ الشيخ الناصر الذي يغلب الزهدُ على مظهره وسيرته ومعيشته الشخصية لا تعرف عنه انتقادًا للناس إن هم اتخذوا لأنفسهم دورًا قوراء واسعة، وأجنَّة وارفة ظليلة، وسيارات فارهة جميلة، ولا يستنكف عن ركوبها، ولا الاستمتاع بجمالها أو قبول ضيافة أصحابها، وكأني به يذكرنا بسيرة عبد الله بن عمر بن الخطاب الذي عُرف بورعه وزهده وتقواه ولكنه كان لا يحمل الناس على ما ذهب إليه من شظف وزهد وورع. وفي هذا تأكيد آخر على تعامله مع الناس بالتيسير والسلامة، وتقديم حسن الظنِّ في سلوك الناس وتصرفاتهم.

٢٣ / ٣٤١