مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٤

ثم نلمس هذه البساطة عند الشيخ ناصر في طريقة كلامه الذي يتميَّز بالهدوء وخفض الصوت، وقد يتحوَّل أحيانا ليكون إلى الهمس أقرب، وهو قلما يستخدم في حديثه حركة يديه، أو تحريك حاجبيه، أو تمطيط شفتيه كما يفعل كثير من الناس، وإنما خطابه كلامٌ مُسترسَل، ينساب من فمه في طواعية ويُسر، تشعر به وهو ينبع من قلبه مباشرًا صادقا هادئ النبرات متناسق الجمل دونما تكلف أو افتعال. وبساطة حديثه تلك تتجلَّى من خلال لغة كلامه التي عادة ما تكون مزيجا من اللغة العربية الفصحى واللّهجة الميزابيةالتي يستخدمها للشرح والتوضيح إذا كان في محيط ميزابي عامي ذكوري أو أنثوي، أمَّا إذا كان المحيط عربيا خالصا كمحيط عُمان مثلا التزم الحديث بالفصحى التي يتقنها أيَّما إتقان نحوًا وصرفا وبلاغة، نثرًا وشعرًا.

وهو قلما وضع لحديثه عناصر أو محاور كما يفعل الأكاديميون عادة، أو كما يفعل المحاضرون في الندوات واللقاءات، فهو حديثٌ عادي يسترسل فيه من جزئية إلى أخرى دون مراعاة لوحدة الموضوع أحيانا، مستشهدًا بما يحفظ من الحكم والأمثال العربية والمحلية، يصل بين أطراف حديثه بنسيجمن المرويات، والحكايات والقصص والنكات الظريفة التي تُبعد السأم، وتنفي الملل، وتصل المستمع بالمتحدث ولو طال حديثه، وهو قلما طال، وتسعفه في كل ذلك ذاكرة قوية، وحافظة واسعة. وأتذكر أنه فاجأني ونحن بجلسة أنس ربيع سنة 2010م ببيتين شعريين جميلين كنت قد قرأتهما عليه أيام الطلب بالمعهد أي قبل خمسين سنة تقريبا.

وهو عادة ما يستعين في اختيار موضوعات حديثه بدفتر صغير لا يكاد يفارقه أينما حل وارتحل، يسجل فيه مختاراته من مقروءاته أو مسموعاته مما لذ وطاب من طُرف التراث و فاكهته.

ولا يكاد هذا الدفتر الصغير يفارقه، ولعلَّ الملاحظ يلحظ فيه اهتراءه وقِدمه من كثرة الاستعمال حتى صار أوراقا موزعة لا دفترا، وتراه مكتوبا بكل الألوان وأنواع المداد بالحبر والقلم السيال وقلم الرصاص، ولا يهمُّه أن يكون ذلك على طريقة واحدة أو موزعا إلى موضوعات تسهل عليه الانتقاء، إذ المهم عنده أن يجد وسيلة للكتابة يحفظ بها ما يسمع من مأثور الكلام شعرا ونثرا، وحوادث التاريخ أمما وحضارات وأسماء وأماكن.

٢٤ / ٣٤١