مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٥٧

الملحوظةُ الثالثة: لئن يُرى بأنَّ صيغة العنوان تحدِّد التخوم الجغرافية التي سيشغلها الموضوع تحديدا معلّما ومحكما، فإنه في الواقع لا يرسم المدى الجغرافي بصورة مضبوطة في ما يخص عبارة: «باتنة وضواحيها»؛ بسبب أنَّ بعض جوانب البحث لا تستجيب إلى معيار التحديد الذي أصبو إليه. فلفظة «الأوراس»، مثلا، التي تسبَّبت في بروز هذه الملحوظة المنهجيَّة يطرح إشكالاً ذا جانبين تصعب السيطرة عليهما: جانب الحيِّز المكاني وجانب الاستقصاء البحثي. واستطرادًا من أجل التوضيح، فإن بقعة «الأوراس» التي تذكرها الكتب القديمة قد انحسرت عمَّا كانت عليه. وأرغب الاستفادة من هذه الملحوظة لتبرير بعض اقتباساتي واستشهاداتي إن لوحظ بأنها أقحمت رغما عن العنوان.

جذور العلاقة الضاربة في أعماق التاريخ:

في الحقيقة، إنَّ العلاقة بين الإباضيين و «الأوراس» ـ عموما ـ هي علاقة قديمة بدأت مع نشأة الدولة الرستمية الإباضية سنة 160هـ ـ 776م، والتي تُعد أوَّل دولة إسلامية ثابتة الدعائم والأركان في المغرب الإسلامي، وقد جرى انشقاقها عن الدولة العباسية في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور على يد عبد الرحمن بن رستم الفارسي نسبًا، على أغلب الآراء، والإباضي مذهبا. واستمرت حتى سقوطها سنة 296هـ ـ 909م على يد الفاطميين بقيادة أبي عبد الله الشيعي. وبعد خسوف شمسها التي سطعت مزدهرة ردحًا من الزمن، فرَّ أنفارٌ منها إلى جبال «الأوراس» المنيعة، واتخذوا منها ملاذات وملاجئ للحفاظ على أنفسهم من التشرُّد والهلاك، ولصون مذهبهم الديني من الاندثار والزوال(1)، وإن استنجدوا بالأوراسيين؛ فذلك لأنَّ هؤلاء ممن يأبون الضيم، ويكرهون الظلم والاضطهاد، ويحفظون العهود، ولا يفرِّطون في من يقصد ديارهم طلبا للحماية والنجدة. ومنذ كان «الأوراس» الحصينُ، فهو ملجأ للضعفاء والمضطهدين ولمن سلب منهم الجاه والسلطان والعز.

يرسم لنا ابن الصغير المالكي المعاصر للدولة الرستميَّة، والذي عُدَّ من ألمع مؤرخيها، وكتب عمن تداولوا الحكم فيها كتابه الشهير: «أخبار الأئمة الرستميين» رغم

(1) ـ حسب ما ورد في بعض كتب التاريخ.

٢٣٧ / ٣٤١