مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢٥٨بغضه المصرّح به الذي يحمله في قلبه لهذا الكيان، يرسم لنا صورة ناصعة عن هذه الدولة، نستشفُّ منها انفتاح صدرها واتساعه لكل الوافدين عليها في كنف الحرية المعبرة عن المناخ الديمقراطي الذي ساد فيها بمصطلح أيامنا. وهذا ما شجع البربر والعرب والعجم على الانضواء تحت لوائها، إذ يدوِّن واصفًا ظروف الحياة في ربوعها وتحت ظلالها، قائلا: «قويَ الضَّعيفُ، وانتعش الفقير، وحسُنت أحوالهم وخافهم جميع من اتَّصل به خبرُهم، وأمنوا ممَّن كان يغزوهم، ثم شرعوا في العمارة والبناء، وإحياء الموات، وغرس البساتين، وإجراء الأنهر، واتِّخاذ الرِّحاء(1) (*)، وغير ذلك. واتّسعوا في البلد وتفسَّحوا فيها، وأتتهم الوفود والرفاق من كلِّ الأمصار وأقاصي الدِّيار. ليس أحدٌ ينزل بهم من الغرباء إلاَّ استوطن معهم، وابتنى بين أظهرهم، لمِاَ يرى من رخاء البلد، وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيَّته، وأمانه على نفسه وماله، حتَّى لا تَرى دارًا إلاَّ قيل هذه لفلان الكوفي، وهذه لفلان البصري، وهذه لفلان القروي، وهذا مسجد القرويِّين ورحبتهم، وهذا مسجد الكوفيِّين، وهذا مسجد البصريِّين»(2).
ونجد إحدى الشَّهادات الرَّاسخة عن قدم العلاقة بين أهل «الأوراس» والإباضيِّين في ما يقوله المستشرق الفرنسي ويليام مرسييه: « … ومن حسن حظِّ بني رستم أن اعتمدوا على أبناء «الأوراس»، وهم رحَّل يتعاطون الفلاحة، وعلى سكَّان قرى جبال طرابلس. وكانوا يجدون من بينهم الجندَ المخلصين والدُّعاة المتحمِّسين والمموِّلين لخزائنهم بما يدفعونه من ضرائب»(3).
وفي سياق قريب وموسَّع، يقول رائد الإصلاح وسيِّده بلا منازع في الجنوب الجزائري الإمام الشَّيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض (1899 ـ 1981م) (رحمه الله)، يقول:
(1) (*) ـ الرِّحاء مفردها: الرَّحىلذي يجرش مختلف الحبوب بفضل الطاقة المتولدة عن جريان الماء.
(2) ـ علي يحيى معمَّر ـ الإباضية في موكب التاريخ ـ الحلقة الرابعة: الإباضية في الجزائر ـ الجزء الأول ـ المطبعة العربية «غرداية» ـ الصفحة: 14.
(3) ـ جوليان شارل أندري ـ تاريخ إفريقيا الشمالية ـ تونس، الجزائر، المغرب الأقصى ـ من الفتح الإسلامي إلى سنة 1830م ـ تعريب محمد مزالي والبشير بن سلامة ـ الدار التونسية للنشر، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع ـ الجزائر ـ الطبعة الثالثة ـ الجزء الأول ـ الصفحة: 42.