مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٢٥٩

«إنَّنا نحن الميزابيِّين جزائريُّون منحدرون من أصل جزائري، ولنا في قلب الجزائر الشَّمالية آثارٌ عظيمة، وتاريخ مجيدٌ، وذكرياتٌ لا تُنسى. ومن ذا الذي ينسى الدَّولة الرُّستميَّة في «تيارت».لكنَّ تقلُّبات الدَّهر دفعتنا إلى هذه الزَّاوية من جنوب الجزائر على أبواب الصَّحراء، فاستوطناها، ولم تنقطع علاقاتنا بالشَّمال أبدا، كما أنّها لم تتصل بالجنوب أبدًا … ويستحيل أن تتغيَّر هذه الحالة فيما يُستقبل من الزَّمان.

إن حياتنا ومصادر عيشنا ومنابع اقتصادنا كلَّها في الشّمال. فالميزابيُّون كلُّهم منذ ولادتهم متَّجهون إلى الشَّمال منذ أقدم العصور، تشهد بذلك الآلاف المؤلَّفة من أبناء ميزاب المنبثِّين في العمالات الثَّلاث لطلب الرِّزق بالتجارة، ولتغذية عائلاتهم التي تنتظر بفارغ صبر في ميزاب ما يبعثون به إليها … »(1).

نقرأ في قول الشَّيخ إبراهيم بن عمر بيُّوض (رحمه الله) إقرارًا وشرحًا لعبارة متداولة تجري مجرى الأقوال المأثورة والمتواترة على ألسنة إخواننا الإباضيِّين، ومؤدَّاها بلهجتهم المحليّة: «أَغْلانْ َيَتْشَّردْ سَالتَّلْ»(2) (*)، ومعناها أنَّ النَّهضة التي شهدتها مدائن وادي ميزاب السَّبع كانت بفضل ما درَّته جهة شمال الوطن التي ارتحلوا إليها بكثافة طلبا للرِّزق.

اضطرَّ الإباضيُّون إلى مغادرة مدينتهم «إسدراتن»: سدراتة القريبة من «ورجلان»: ورقلة، التي تفننوا في تعميرها بالدُّور والقصور، وملئِها بالبساتين، بعد أن ضاق بهم جيرانُهم ذرعًا، وامتلأت قلوبُهم عليهم حنقًا وحسدًا وحقدًا، وخشوا منهم المنافسة والمزاحمة، واستجاشوا عليهم بجيوشالمرابطين، فأجلوهم عنها ليحلَّ محلَّهم الزُّنوج. وفرض على الإباضيِّين النّزوح إلى جبال «بني مُصاب» أو «مزَابْ» أو «ميزاب»، ونزلوا بالوادي المحْل الجديب(3). ولما انطلقوا في تأسيس مدائنهم التى تسلَّقت المرتفعات والتِّلال والهضبات، وحطَّت عليها كأعشاش النُّسور.

(1) ـ بيوض إبراهيم بن عمر ـ أعمالي في الثورة ـ نشر جمعية التراث ـ القرارة «غرداية» ـ الصفحة 72.

(2) *ـ أغلان باللهجة الميزابية المحلية هو: الموطن. وهم على خلاف بقية اللهجات البربرية في الجزائر يقلبون حرف «الكاف» إلى حرف «التاء».

(3) ـ محمد الجيلالي عبد الرحمن ـ تاريخ الجزائر العام ـ ديوان المطبوعات الجامعية «الجزائر»، ودار الثقافة بيروت «لبنان» ـ طبعة جديدة مزيدة ومنقحة ـ 1982 ـ الجزء الثاني ـ الصفحة: 176.

٢٣٩ / ٣٤١