مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤٥وللشيخ الناصر دقة متناهية في حفظ أسماء الأشخاص والأماكن والسنوات يعتني بحفظها، ويسهل عليه تذكُّرها وتلك خصيصة أخرى من الخصائص التي جعلته اجتماعيا محبوبا.
ومن بساطته أن لا يطيل الحديث، وهو يكره الإطالة والتكرار وينفر منهما نفورًا شديدًا، إلاَّ إن كان في موضع التوضيح والشرح لبعض المسائل الفقهية أو التاريخية أو العلمية، وتلك خصيصةٌ أخرى حببت أحاديثه ومواعظه إلى الناس ولاسيما العامة الذين ينفرون - ولهم الحق - من الدروس الطويلة التي تشعر بالملل حتى لو كانت عسلا مصفَّى.
ومن بساطته أنه يميل إلى الارتجال، ولا يميل إلى الخطابة والموعظة الكتابية إلا في مناسبات قليلة، وربما كان ذلك في بدايات حياته الدعوية، وهذه الخاصية جعلت من يتتبع آثاره الفكرية المكتوبة لا يحصل على شيء ذي بال، مع أنه كان في بداية حياته التعليمية كما قلت أديبا لامعا، وخطيبا مفوَّها، وشاعرًا مبدعا، وما إن مال إلى الفقه وعلوم الشريعة حتى تخلى عن الأدب كتابة، ولو أنه لم يتخلَّ عن صحبة الكتب الأدبية بل بقي لها وفيا مطالعة، وحفظا، وتذوقا، ونقدًا.
ومن بساطته أنه لا يهتم كثيرا بضبط مواعيده بالدقائق والثواني، ولا يظهر اهتماما كثيرا لهذا الجانب شأن من يأخذ الأمور بعفوية ويُسر ومسالمة، وقد يتخلَّف عن دروسه الأسبوعية إذا دعي إلى عرس أو مناسبة فرح أو ترح، وكنا نحن الطلبة نعرف منه هذا التراخي والتساهُل منه فيرضينا ذلك ونأنس له، ولقد عانت الإدارة في معهد الحياة من تخلُّفه ولم تُفِد جدِّية الشيخ عدُّون ولا ضبطُه في معالجة ذلك منه.
وقد استمر على هذه الطريقة ولاسيما العقدين الأخيرين من حياته المهنية بالمعهد بعد أن أثقلت حياته المواعيد ذات الطابع الاجتماعي؛ فكثر تغيُّبه عن القرارة حتى قيل له إنَّ عليك أن تصلِّي صلاة السفر إذا كنت بالقرارة! فهو عادة لا يضع رجله بالقرارة إلاَّوالأخرى على سيارة أو زيارة.
ومن بساطة الشيخ الناصر وعفويته أنه يكره الجدَّ والضبط والانضباط، ويفر منها نفور السليم من الأجرب، وكثيرًا ما رأيته شاكيا من الجلسات التي يطول