مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٦

نقاشها ويحتدُّ جدالها، وتتوتَّر فيها الأعصاب، ويفتعل المعاذير والأسباب لعدم حضورها، وما زلتُ أتذكَّر كيف كان يلبِّي الدعوة لحضور جلسات أساتذة معهد الحياة مُكرها، وهي غالبا ما تكون بدار شيخنا عدُّون رحمه الله، وتكون عادة بعد العشاء، وهي كثيرا ما تطول مُدَّتها وتمتدُّ إلى منتصف الليل وما بعده، فترى الشيخ الناصر يتململ في مجلسه ويتأفَّف، لا يشارك في الحديث إلاَّ قليلا تعبيرًا منه بأنه مُرهق مُتعب، وكأنَّه ينادي دون أن يسمعه أحد خلصوني من جِدِّكم (يرحمكم الله).

وكان يتَّخذ من داء «الثعلبة» الذي أصيب به في السبعينيات (على ما أتذكر) حجة بأنَّ الطبيب يمنعه من السهر، وأنَّ الحد الأقصى المسموح له به من السهر هو الحادية عشرة ليلا. فإذا آن أوانها استأذن الشيخ عدُّون وقام من الجلسة - وقد تكون محتدمة النقاش - في أمر يهمُّ الجميع فينزل درج العلي سريعا دونما التفاتة إلى أحد فكنت أدعوه ممازحا (الصاروخ) فيضحك، وكثيرًا ما اتخذ ذلك عنوان اعتذار من الشيخ عدُّون فيقول: لقد سمَّاني فلان «الصاروخ» فسامحوني بالمغادرة.

لقد طبعت هذه الخاصية النفسية منهج الدعوة عند الشيخ الناصر بطابع الوداعة والمسالمة، وقد انعكست هذه الروح على نفسه حتى في دروسه التعليمية ومواعظه المسجديَّة، بل قُل حتى فتاواه الشرعية، وأعرف كثيرًا من الناس يفضلون فتاوى الشيخ الناصر على غيره لهذه الخاصية فيه، فهو يميل إلى الفتاوى ذات الرُّخص الشرعية بما يُسهِّل على الناس حياتهم، ويستنكف دوما من الأخذ بالتعسير والتنفير مصداقا لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «بشِّروا ولا تُنفِّروا، يَسِّرُوا ولا تُعسِّروا»(1).

وأعرف كثيرا من الشباب يفضلون كتابة وصاياهم عنده لما يجدونه فيه من التعامل بالحسنى، فهو لا يُحرج سائليه بأسئلة تُسيل العرق إلاَّ أن يكون اعترافًا من صاحب الوصية، ولا يتدخَّل فيما لا يعنيه، وحسبُه من كل ذلك إبداء النصح العام والتوجيه إلى الطريق المستقيم، وهو ما يدخل البشر والاستبشار في قلوب كثير من التائبين، وقد كتب الله لهم التوبة النصوح، والإنابة، على يديه بفضل أسلوبه ذاك.

(1) -حديثٌ مُتَّفقٌ عليه.

٢٦ / ٣٤١