مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٧

ب – العفوية والاستطراد:

ومن بساطة الشيخ الناصر وعفويته أنَّه يميل في أحاديثه ومواعظه ودروسه إلى الاستطراد، إذ يُخيَّل لمن يسمعه كأنه يصعد شجرة مثمرة باسقة الأغصان، متعانقة الأفنان ما إن تتسلَّق جذعها حتى تتلقاك أغصانها بكل ما لذ وطاب من فاكهة جنية وأوراق خضراء بهية، فيُسلمُك هذا الغصن إلى ذاك، وذاك إلى ذلك وهكذا، فمن آية قرآنية إلى حديث شريف، إلى نكتة أدبية طريفة، إلى خبر ظريف، إلى ترجمة علم من أعلام الصحابة والتابعين أو السلف الصالح، وهو يقدم لك كل ذلك في ابتسامة مُشرقة ووجه طليق، فلا تشعر بالزمن يمرُّ عليك ثقيلا أبدا، وأنت مستمتعٌ بهذا التنقُّل أو شئت التسلَّق من فنن إلى آخر.

وتجدك وأنت مأخوذ بهذه الرحلة الممتعة وقد تخفَّفت من أعباء الصرامة الأكاديمية والجدية المرهقة، ذلك أنَّ الشيخ الناصر كما أسلفتُ لا يعدُّ دروسه مُسبَّقا برسم خطوطه ونقاطه وعناصره، وإنما يترك ذلك للعفوية الآنية ويحملك بذاكرته القوية التي تنهال عليه بمحفوظاته التراثية المتنوعة، وقد درَّب ذاكرته المسعفة على هذا النحو منذ زمن بعيد.

ومن ثم يلحظ كلُّ من يتتبَّع دروس الشيخ الناصر بأنه عادة ما يكرر دروسه ومواعظه ومقولاته، ولاسيما في شهر رمضان الذي يبدأ عادة بفضل الصوم وأجره العظيم، ثم يتنقل إلى العبادات الأخرى كالصلاة والزكاة، وغيرهما وقد تكون الدروس سلسلة في حلقات عن المعاملات مثل بر الوالدين، والمعاشرة الزوجية، وصلة الأرحام … وفي كلِّ محطة من هذه المحطات نراه يُعيد نفس الآثار والأحاديث والمرويات، فكنت ترى المثقفين بل حتَّى العامَّة يتندَّرون بالقول فيما بينهم في رمضان: «هل وصل الشيخ إلى قصَّة كذا أم لم يصل إليها بعد؟»

ومن عفوية الشيخ وبساطته ما يلحظ في بعض مروياتهواستشهاداته من سذاجة فكريَّة ولاسيما ما تعلَّق منها بكرامات الأولياء والصالحين، وأحيانا يتساءل المرء عن واقعية تلك القصص التي يصعُب على الفكر الناقد قبولها دون تمحيص أو نقاش، وقد قرأتُ في إحدى رسائله للشيخ أبي اليقظان وهو يحدِّثه عن زيارته إلى جبل نفوسة في طريقه إلى القاهرة سنة 1962م، قائلا: «وقد زرنا جلَّ المزارات على

٢٧ / ٣٤١