مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٤٨سيارات خاصة واستروحنا من روائح الجنَّة فرحمة الله على مشايخ الجبل فلله ما عانَوا، ولله ما كابدوا، ولله ما خلَّدوا، وقد قال لنا الأستاذ علي معمَّر إنه نفسه كان يرى النور على ضريح المرحوم عاصم السدراتي في نالوت … »(1).
ولعلَّ الذي أثَّر في الشيخ الناصر هذا التأثير هو أستاذُه في الوعظ والإرشاد الشيخ إسماعيل الجيطالي بكتابه «قناطر الخيرات»، الذي كان عمدة كثير من مشايخ الإباضية في الوعظ والإرشاد.
وفي كتب السير الإباضية شيءٌ كثير من هذه الكرامات، ولاسيما سير الشماخي، كما تأثر أيَّما تأثُّر بكتاب «إحياء علوم الدين» لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي، وقد انطلق من هذه الكتب التراثية إلى قراءة في كتب محمد الغزالي الذي يبدو تأثره به واضحًا أيضًا، ولاسيما بعد تعرُّفه عليه وحضوره ندواته وحلقاته في القاهرة ما بين (1962 - 1965م)، ولولا ضيق المقام لأوردت أمثلة لما أقول.
ولو قارنَّا بين أسلوب الشيخ ناصر العفوي الاستطرادي وأسلوب شيخنا بيُّوض مثلا لوجدنا بعض الفوارق الأساسية، فإنَّ الشيخ بيُّوض ولو كان يفضِّل هو الآخر المنهجية الاستطرادية إلاَّ أنه لم يكن يقف عند حدود ما تختزنه الذاكرة من قراءات هنا وهناك دون نقد أو تمحيص، أو دون تحليل وتعليل، في جرأة عجيبة قد يخالف بها الجميع ويفاجئهم بها، بل قد يكون مدارُ حديثه أو درسه خبرٌ قرأه في صحيفة يومية من الصحف الداخلية أوالخارجية؛ فهو أكثر اهتمامًا بما يربط جمهوره بواقعهم الاجتماعي اليومي، لأنَّ دروسه يحضرها العامة والخاصة معًا وهو يتوجَّه عادة إلى المثقفين من الأساتذة والطلبة.
جـ: الظرف والفكاهة:
قد يخيَّل إليك أنك مع الشيخ الناصر ستواجه شيخًا متزمّتا وقورًا إن أصدرت حكمك عن بُعد دونما معاشرة أو صُحبة، ولكنَّك إن اقتربت منه أو صاحبته في رحلة أو سفر كشفت جانبا نيِّراً من شخصيته قد يُفاجئك كما يفاجئ الكثيرين بانطلاقته، وتفتُّحه، وتبسُّطه وظرفه، وحُبِّه للفكاهة، وميله إليها، وتجده
(1) -رسالة من القاهرة، مؤرخة: بـ23/ 09/1962م.