مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٤٩

مليئًا بالنكت والمُلَح الأدبيَّة تراثية وحديثة، مقروءة ومعيشة، يزيدها رونقا وتألقا طريقة الشيخ الناصر في روايتها بأسلوب تمثيلي لا يُغفل الجزئيات ولا يُهمل التفاصيل الدقيقة، وكلُّ ذلك يُضفي لفكاهاته رونقا وتشويقا، وذلك ما يحقِّق ما قلته عنه آنفا: إنَّ الشيخ الناصر أديبٌ قبل أن يكون فقيهًا، ومثله في ذلك مثل العديد من مشايخنا الأعلام الذين كانوا وما زالوا أدباء، ولو صاروا إلى الفقه والعلوم الشرعيَّة بحكم وظيفتهم الاجتماعية.

هذا الجانب الوضيء من شخصية الشيخ الناصر هي التي تطالعك من خلال دروسه الوعظية، حتى في بعض الأوساط الملتزمة الجادَّة مثل سلطنة عُمان مثلا، وهو الجانب الذي قد يطغى أحيانا على شخصية الشيخ، ولاسيما في جلسات الأنس مع زملائه وأصدقائه وطلبته، فلا ترى هناك إلاًّ عيونا متطلعة إلى ما ينشر من بدائع الحكم والأمثال، وما يسوق من نُكت ظريفة آسرة، والتي لا يمكنك معها أن تكبت ابتسامتك، وأحيانا ضحكتك المقهقهة، وقد طرَحَت تلقائيا لباس الجدِّ والتزمُّت والوقار.

وكان يحثُّنا - ونحن طلبة بمعهد الحياة - على حفظ الكثير من هذه النوادر والطُّرف التي قلَّما تخلو من فائدة للعقل وترويح للقلب، وتربية للنفس، والتخفيف عنهما من عناء مشكلات الحياة ومُنغِّصاتها.

والشيخ الناصر لا يحفظ هذه النكت الطريفة من مطالعاته المتنوعة وحسب، بل إنَّ كثيرا منها يحفظها من معاشراته الاجتماعية، وتجاربه الحياتية مع شتى الطبقات، ولاسيما المسنِّين منهم رجالا ونساء.

وقد عُرف عنه أنَّه شغوفٌ بسماع النكت من مصادرها، فتراه يحب الجلوس إلى الشخصيات الفكاهية، فهو يحفظ الكثير من نُكت المرحوم فرصوص أحمد، حتى عُرفت عند الناس بـ «الفرصوصيات»، وعند الفكاهي الطيب الذكر «عبد الرحمان (موستيك)» الخبر اليقين.

وأشهد مما سمعتُ ورأيتُ أنَّ الشيخ الناصر كان يحبُّفرصوص، كما كانفرصوص يحترم الشيخ الناصر ويجلُّه، وكان كثيرًا ما آثره بجلسات خاصة، إذ

٢٩ / ٣٤١