مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٥٠

يساعده في قضاء الكثير من القضايا الاجتماعية، ويحمل إليه فتاوى الناس، ولاسيما فئة الشباب الذين قد يمنعهم حياؤهم من السؤال المباشر واللقاء المحرج.

ومن دماثة أخلاقه وانبساطها وتفتُّحها وانطلاقها حبُّه الآسر للطبيعة، وما زلت أتذكر إيثاره بعقد جلسات الجمعيات الأدبية بمعهد الحياة تحت ظلال النخيل بعيدًا عن الأسوار والقاعات الضيقة. ويمكنني القول إنه لو يُخيَّر الشيخ الناصر بين محاضرة في قاعة مغلقة وبين مجلس أنسٍ في أحضان الطبيعة لاختار الثاني على الأوَّل دونما تفكير أو تردُّد، وكأنه خُلق كما يقول الشابِّي، وأنشد المرحوم «إبراهيم تاعموت»:

خُلِقْت طَلِيقًا كَطَيفِ النَّسيم***وَحُرًّا كنُورِ الضُّحَى في سَمَاهْ

فهو ينفر من كلِّ ما هو جدٌّ والتزام وانضباط في أمور الدنيا، ويكره مجالس الخصومات والمناقشات، إلاَّ إن أُكره على حضورها أو حُمِّل مسؤوليتها دون رغبة أو ميل منه، بل هو ينأى حتى عن المسائل الفقهية العويصة، ويطلب من محدِّثيه ومُستفتيه ألا يسألوه عن المعاملات الربوية، وتعدُّد الزوجات وغيرها من المشاكل المتعبة للعقل والنفس … وما زلت أتذكر أيضًا كيف كان يقضي كثيرًا من وقته صحبة كتاب مع زميله وصديقه «الشيخ محمد بن زايط» وقد اتخذ لذلك مجلسًا شاعريا خاصا بـ «غابة اعمارة»، يقصد إليه مع أصدقائه ورفقائه.

ويُعرف عن الشيخ شغفُه الكبير بحبِّ الرحلات والسفر وعدم الاستقرار في مكان واحد يعبر بذلك عن رغبة قوية فيه بحب الاطلاع ومعاشرة الناس، والنفور عن كل ما هو وتيري روتيني مرهق.

وشاء الله أن يكون آخر حديث له مع جمهور القرارة بيتين شعرِيَّيْن جميلين ظريفين(1) استقبل بهما ضيف الجزائر الكبير مفتي سلطنة عُمان سماحة

(1) -لم أحفظ البيتين، ومعناهما: أنَّ أحد شعراء المغرب قال لأحد المشايخ عندما عزم الهجرة إلى الشرق لا تفعل ذلك فإنه إن -فعلت- علامة على قيام الساعة، لأنَّ الشمس عادة تشرق من المشرق، فإن أشرقت من المغرب تكون القيامة.

(البيتان مقتطفان من مجموعة أبيات لأبي جعفر أحمد بن خاتمة المرِّي المغربي إلى بعض أشياخه يقول فيها:

أشمسَ الغربِ حقًّا ما سمعنَا***بأنَّك قد سئِمتَ بنا الإقامةْ

وأنَّك قد عزمتَ على رحيلٍ *** إلى شرقٍ سَمَوْتَ به علامَةْ

لقد زَلزَلْتَ مِنَّا كلَّ قلبٍ ***لا تفعل فَقَد تقم القيامةْ) (رئيس التحرير)

٣٠ / ٣٤١