مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٠٩

عمن اتخذ من الحوار والنقاش الهادئِ، والمصابرة عليهما مطيّةً يجمع بها الشتات، ويلمُّ بها الفُتات، ويمدُّ بها حبال التواصل وجسوره بين مختلِف الفئات، لذا نجد الرُّسلَ الكرام ـ عليهم الصلاة والسلام وهم أسوتُنا وقدوتُنا، وفي مقدمتهم الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - ـ قد حازوا قصَب السبْق في ذلك، ويشهد لهم القرآن الكريم بذلك في أكثرَ من موضع، فهذا أبو الأنبياء إبراهيم - عليه السلام - يحاور قومَه ويناقشهم بالحجَّة الساطعة والبرهان البَيِّن، دون أدنى تعصُّب أو ضجَرٍ من الحوار، بل لم يمنعه شركُ والده من الدعاء له وندائه له بنداء الأبوَّة. ولنا في قصَّة يوسف - عليه السلام - أيُّما عبرةٍ في حواره مع صاحبَيْ السجن، ومحاولة إقناعهم بوحدانية الله. وكذا ما وقع بين سيدنا موسى - عليه السلام - وفرعون؛ إذ رغم ادِّعائه للربوبية واستضعافِه لبني إسرائيل، يأمره المولى عزَّ وجلَّ بالحوار الهادئ الليِّن في قوله: اَذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)(1). ولعلَّ المثال أجلى وأوضح، وأبلج وأصرح، حينما نوجِّه تأمُّلنا إلى خاتم الأنبياء والمرسلين وما كان من تعامله مع مشركي مكَّة، ضاربا لنا أروع مثال للتجرُّد من أيِّ خلفيَّة في الحوار والنقاشوالمحاجَجَةِ، فقال الله تعالى مبيِّنا هذا في القرآن الكريم: قُلْ مَنْ يَّرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّآ أَوِ اِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى اَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ(2)، ومحلُّ الشاهد، أنَّه - عليه السلام - أقرَّ لنفسه احتمالَ كونه في ضلال عند محاججته للمشركين رغم علمه القاطع بأنَّ ما جاء به هو الحق، ولا أدلَّ على إمعان الرُّسل عليهم الصلاة والسلام في الحوار والمناقشة من قول قوم نوح لنوح - عليه السلام -: قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا(3)، وهذا لِما رأوا عليهم السلام في الحوار من نجاعة. فسلطان الكلمة الطيبة الحسنة على النفس ليس له من رادع إلاَّ الجحود والإنكار والموت القلبي، كما قال الله تعالى في محكم تنزيله مخاطِبا رسوله الكريم: فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَآءَ اِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ(4).

(1) - طه: الآيتان 44،43.

(2) - سبأ: الآية 24.

(3) - هود: الآية 32.

(4) - الروم: الآية 52.

٣٠١ / ٣٤١