مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣١٠

إنَّ بناء أيَّ مجتمع أو أسرة يتطلَّب التواصل بين مكوِّناته وأجزائه، تماما كالإسمنت الذي يرصُّ ويشدُّ من لَبِنات البنيان، ويحُول دون أن تهدَّها الرياحُ العواصف، أو أن تجرفها السيولُ القواصف، ووصف التماسك الاجتماعي شاعر فقال:

كم في التوحُّد من خيرٍ ومنفعةٍ ما مسَّ مجتمعًا إلاَّ ارتقى وسمَا

كالطودِ في شَمَمٍ لولا التلاحُمُ في أجزائِه كتَلاً ما شكَّل القِمَمَا

والذي يدعونا إلى تكوين شبكة التواصل في المجتمع هو الواقعُ السائر وَفقَ سنن الله؛ إذ ركَّب الخالق عزَّ وجلَّ في بني الإنسان غريزة التناسل، وهذا بدوره يؤدِّي إلى تعدُّد الأجيال وتداخلها، كما أنَّه تعالى جعل الناس طبائع ومعادن، وخصَّ كلَّ فرد من الأفراد بنمط تفكير معيَّن، فتنوَّعت الثقافاتُ ووِجْهات النظر بينهم، واختلفت العقول والقرائح، وهلُمَّ جرًّا في أسباب التباينالمركوزة في بني البشر. فكلُّ هذا وغيرُه يسعى بنا سعيًا حثيثا إلى تأسيس قاعدة حوار توفِّق بين هذه الاختلافات، وتقوِّي من الروابط والائتلافات، فجمال الثوب في تعدُّد ألوانه إذاما كانت متناسقةً فيما بينها، وهذا بين المسلمين أولى وأحرى؛ إذ يملكون أهمَّ عامل مشترك بينهم، وهو وَحدة الدين والعقيدة التي تَصدُر عن منبع ومنهل مشتركٍ وهو الكتاب والسنَّة، ولله ذرُّ الشاعر أحمد شوقي حينما نعت المسلمين بالسُّبات والتخبُّط في الظلمات ونورُ القرآن الكريم والسنَّة الشريفة بين أيديهم، فقال مخاطبا الرسول صلى الله عليه وسلم:

شعوبك في شرقِ البلاد وغربِها … كأصحابِ كهفٍ في عَميقِ سُباتِ

بأيمانهم نُورَانِ ذِكرٌ وسُنَّةٌ … فما بالهم في أحلكِ الظُّلُماتِ؟

لقد جنى المجتمعُّ الإسلامي جرَّاء إهمال عنصرِ الحوار فيما بينهم، وفيما بينهم وبين غيرهم من الأمم الأخرى خِزيا وتناحُرا وتفرُّقا لا يُحسدون عليه، ويظهر ذلك بشكل جليٍّ في الوضعين الداخليِّ والخارجيِّ، ففي الوضع الخارجيِّ نجد علاقاتِ الدول الإسلاميَّة سيئةً ومتوتِّرة مع غيرها من الدول، ولا شكَّ أنَّ لانعدام الحوار الهادف الحكيم نصيبَ الأسد في التأجيج من لهيب هذه المشكلة، وهي ليست موضع حديثنا في هذا المقام. وأمَّا آثار غياب الحوار في الوضع الداخليِّ للمجتمع المسلم فهي كثيرةٌ، لا

٣٠٢ / ٣٤١