مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣١١تُعدُّ ولا تحصى، وتُقتفى فلا تُستَقصى، والذي يقضُّ المضجع أن نجد التفكُّك الأسريَّ ضاربا أطنابه وأوصاله في أغوار المجتمع، كما يلفت نظرنا بشكل مريع تلك الهوَّة السحيقة بين الشباب والشيوخ، والآباء والأبناء، والعصاة والصالحين، وبين الراعي أيًّا كان موقعه والرعيَّة، فانقسم المجتمع بذلك إلى قِطع غيارٍ لا تتناسب وهيكلَها، فكلُّ فِرقة في واد تهيم، ولا غرابة حينئذٍ أن نجد في أمتنا ترِكةً ثقيلةً من الشباب الضائع، تلك التركة التي يتَّسع خرقها على راقعها يوما بعد يوم.
إنَّ أهمَّ إفراز أنتجه عدمُ التواصل والحوار ذلك الانفصامُ الكبير في الدروس والمواعظ بين الكلام النظري والواقع المعيش، إذ أصبح الفرد المسلم لا يجد حاجته وبغيته فيها، من حيث إنَّ هذه الدروس تُلقى من برج عاجي لا تمتُّ إلى الواقع المعيش بصِلَة. فأيُّ معالج لظاهرة عدم عمارة المساجد لا بدَّ وأن يتطرق إلى هذه المشكلة العويصة ويبحثَ في حلِّها، ليجد في الأخير أنَّ المنبع الرئيس والذي تنبثق عنه هذه المعضلةُ ـ مسألةُ الانفصام ـ هو الغيابُ الفادح الفاضح لثقافة الحوار والتواصل بين هيئات المجتمع على وجه العموم، وبين المرشد والرعيَّة على وجه الخصوص، ولهذا اشترط العلماء في المجتهد الفقيه لصحَّة اجتهاده «فقهَ النفس» ويقصدون بها الملكة الفقهية، وفقه الواقع.
اعلم أخي المسلم أن لا مناص لنا ولا خلاص من المشاكل الاجتماعية إلاَّ بالرجوع إلى منهج ربنا سبحانه وتعالى، والذي سارت على وَفقه الرسل عند تبليغهم الدعوةَ التي أرسلوا بها، والمتمثل في الحوار والمناقشة بكل ما يحفُّهما من آداب وضوابط تحقق المعنى الحقيقي للأخوَّة الإسلامية والرابطة الإيمانية؛ كالحكمة والروية والجدال الحسن، وفي هذا الصدد يقول الله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ(1)، وقوله: وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34)(2)، ويعضِّدُ معنى