مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٥٢

الصابر الذي يردد بلسانه وبقوله ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173]، متمسكا أبدا بقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف:200].

وحبُّ الشيخ الناصر للناس وتسامحه معهم يتجلَّى في مواقفه العلمية والدعوية ممن يخالفه في العقيدة أو المذهب أو الرأي والفكرة، وهو طالما رأيناه يحاور من يظنُّفيه الخروج عن الجماعة بقلب صادق، وإيمان ثابت، ونفس هادئة متسامحة، ويحاول أبدًا تبليغ رأيه دون تعنُّت أو إصرار أو تعصُّب أو استكبار، يكفيه في ذلك أن يذكر وجهة نظره، أو ما يعتقد أنَّه الصواب استنادًا إلى الأدلة الشرعية كتابًا وسُنَّة، ثم يترك المحاور أو المخالف حرًّا في أن يعتقد بعد ذلك ما يشاء، أو يتصرف كما يريد، ومع ذلك فهو يفضِّل دوما أن يجتمع المسلمون على كلمة سواء توحد صفوفهم، وتجمع شملهم، وتلمُّ شعثهم بما ينأى بهم عن الاختلاف الذي يولد الفُرقة والافتراق، ويتحوَّل من المشادَّات الكلامية إلى إحنٍ ومحن، وقد قام في هذه السبيل بجهود عملية في إطار المصالحة بين المتساكنين في مدينة القرارة، وفي بعض قرى وادي ميزاب، وقد سمعنا عن بعض أعيان القوم في القرارة شهادات ترفع من مقام الشيخ الناصر إلى مرتبة رفيعة من التسامح وحبِّ الناس، وتقديم يد المعونة والخير إلى كلِّ المسلمين، وقد عبَّر بعض من عاشره -بعد وفاته- عن مدى الخسارة التي خسرها مجلس أعيان القرارة بفقده، وتلهُّفُهم إلى من يسدُّ تلك الثغرة التي ما تزال شاغرة باكية برحيل الشيخ الناصر.

وأحسب أنَّ هذه الميزة هي التي أحلَّت الشيخ الناصر في هذه المكانة السامية من حبَّ الناس وتقديرهم له، وإلقاء تصاريف أمورهم إليه، وهي تتجلَّى أساسا في وداعة نفسه، وطيبة قلبه، وإخلاص عمله لله سبحانه وتعالى، ثم افتراض الجانب الخيِّر في الناس وحسن الظن بهم، وتلك هي علامات القلب السليم التي نوَّه بها القرآن الكريم.

وهذه المسالمة إنما جاءت من كثرة الاحتكاك بالناس والجلوس إليهم، والذهاب إلى مواطنهم دونما انتظار أن يبادروه بدعوتهم، وهذه سمةٌ من سمات

٣٢ / ٣٤١