مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٥٣تواضعه وعفويته الصادقة، وقد اكتسب هذه المميزات أيضا من رحلاته المتعدِّدة إلى المشارق والمغارب من بلاد الله، ولاسيما البقاع المقدَّسة وسلطنة عمان، فقد أضفت هذه الرحلات على معاملاته تجارب وخبرات إنسانية ودعوية بارزة، وطبعت طريقة دعوته بطابع إنساني متميِّز، يجلِّله قبل هذا وذاك ورعُه وتقواه.
وقد شاهدنا أكثر من مرَّة مجالسه الدعوية تلك، وكيف يسعى أبدا إلى محاورة السائلين والمتلقِّين بالتي هي أحسن إلى الحد الذي يراه البعض تساهلا وتجاوزا غير محمود العواقب، ولاسيما إن كان المعنيُّ بالأمر من التيارات التي تخفي وراءها أهدافا غير معلنة، أو تضع في حساباتها تطلعات دنيوية ترمي إلى زعامة أو حظوظ نفسيَّة مما لا يعرفه الشيخ الناصر، وقد لا يتفطن له لأنَّ طبعه المتعفِّف الزاهد في الدنيا ينأى به عن هذه التطلعات الإنيَّة، أو الشهوات الدنيوية الفانية، ويرفعه حسن ظنه بالناس افتراض الخير فيهم دوما.
وسرُّ ذلك كما أسلفت فيما أقدر يعود أساسا إلى إخلاصه وورعه، وأنه يعمل دوما ابتغاء مرضاة الله، إذ لا حاجة له في دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، وقد سمعتُه مرة يقول: «إنَّ اكتساب الدراهم والدنانير وجمع حطام الدنيا آخرُ ما أفكِّر فيه»، وهو يذكِّرني بهذه المقولة بما يروى عن الإمام جابر بن زيد حيث قال لأصحابه: «أنا خيركُم ليس لي درهمٌ وليس علي دين».
ومن يدري لعلَّ صدق نيَّته هذه جعلت الله يسيِّر له دوما من يخدمه، ويقدم له المعونات المادية والمعنوية دونما أيَّة مبادرة منه، حتى عُرف بطبعه هذا الذي يجعله في مقام المدعو لا الداعي، والمخدوم لا الخادم. فترى الناس يتسارعون إلى تقديم الخدمات إليه، والسعي إلى بيته لمرافقته أو النظر في حاجاته، وتقديم ما يعوزه من هذه الضرورات المعيشية اليومية التي لا يستغني عنها أحد.
وقد عُرف عن الشيخ الناصر أنه يفضِّل الرفقة أينما حلَّ و ارتحل، حتى لو كان سفرًا بعيد الشقَّه، وقد يكون المرافق له من طلابه أو زملائه، أو أصدقائه، وأغلبهم يعبِّر عن تشريف الشيخ الناصر بقبول خدماتهم إليه، ويسعدهم أن يكونوا في رفقته ابتغاء الأجر عند الله، ورجاء ما يستفيدونه في هذه الرفقة من نصائح وتوجيهات وخبرات، وما يجنونه من فوائد وتجارب، وترويح عن النفس، أو ما ينالونه من إكرام الناس وتبجيلهم جميعًا، وأعرف كثيرًا من الشباب الذين