مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٣٥النظريِّ في وجوب حفظ تلك الكلِّيَّات، إلاَّ أنَّ الواقع العمليَّ شهد أنَّ مواقف المسلم تجاه أخيه المسلم لمجرَّد خلافات كلاميَّة وسياسيَّة كان ـ ولا يزال ـ متجاوزا تجاوزًا مفرطًا وخطيرا لكلِّ المقاصد الكلِّيَّة الخمسة، لاسيما منها حفظ النفس. هذا بالإضافة إلى الوقوع في بعض التناقضات والازدواجيَّة في المواقف، ولا يخفى ما للسياسة والإعلام من دور في تأجيج الفتن، باستغلال تلك الأسماء والأحكام أسوأ استغلال، ثمَّ اقترحت سبعة بدائل لتجاوز الفكر التكفيريِّ.
وأخيرا اختصَّ الباب الثالث من الأطروحة بعلاقة الأسماء والأحكام بالواقع المعيش.
(تناول الفصل الأَوَّلُ منه أحكام البغي عند الإِبَاضِيَّة. وأهمُّ ما فيه: أحكام الخروج على الحكَّام الجورة، بين الجواز والمنع، بين الطرح النظريِّ والتطبيق العمليِّ. وبقدر ما في هذا الموضوع من} ألغام} وحساسيَّة وَسَعَة، فإنَّ مسؤوليَّة ضبطه، والتروِّي فيه تزداد أكثر. وفي عموم تاريخ الإباضيَّة كانت لهم مواقف نظريَّة وعمليَّة صارمة لحفظ الدماء والأموال والأعراض، بالرغم من معارضتهم المتواصلة لظلم بعض الحكَّام وطغيانهم.
(وتناول الفصلُ الثاني موقف الإِبَاضِيَّة من الفتن التي وقعت بين الصحابة، بين متبرِّئ من بعض أقطاب الفتنة، وساكت عَمَّا شجر بينهم، ومصرِّح بولاية جميعهم. وتوصَّلنا إلى أنَّ الأصل في الصحابة هو ولايتهم ـ لاسيما العشرة المبشَّرين بالجنَّة ـ حتَّى يثبت ما ينقضها بيقين، ولا يقين في تفاصيل التاريخ، لاسيما أوقات الفتن. ولا يمنع ذلك من دراسة تاريخهم للاعتبار، لا لإصدار الأسماء والأحكام الشرعيَّة.
(وتناول الفصلُ الثالث مواقف الإِبَاضِيَّة من مخالفيهم، وكانت لهم عدَّة مواقف إيجابية، فكريَّة، وسياسيَّة، وكلاميَّة، واجتماعيَّة.
فمن المواقف الفكريَّة: قبول آراء المخالف الصائبة مهما كان قائلها، والسعي نحو لَمِّ شتات المسلمين، والمقارنة بين آراء المذهب وغيره، واعتماد رواياتهم ومصادرهم، بـ} تأبيضها} والتعليق عليها وشرحها وتدريسها للطلاَّب.
ومن المواقف الكلاميَّة: الرفض القاطع للحكم على المخالف بالشرك إن كان له تأويل، والحرص على حفظ كلِّ حقوقه المادِّيَّة والمعنويَّة باعتباره مسلما، إلاَّ الوَلاية فيرى أغلب الإباضيَّة أنَّه لا يُترحَّم عليه، وأمَّا الإصلاحيُّون اليوم فيتولَّونهم ويترَّحمون عليهم بلا إشكال.