مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٦٣

يعتقده، (أي ربوبية الكواكب) ولا يزيد قوله هذا كفرا، كالذي يُكره على أن يقول كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، فإنه إذا جاز ذلك لحفظ نفس واحدة وإنقاذها من الهلاك كان جوازه لإنقاذ فريق من الناس من الهلاك في الدنيا والآخرة أولى»(1).

رابعا: أسلوب الصبر والمجاهدة

كثير من جوانب الخير والتوق إليه تبقى حبيسة في الإنسان ما بقيت فيه بقية من الفطرة الإنسانية الأولى على الرغم من ركامات الغفلة والنسيان وما يرين على قلبه من شبهات الضلالة والباطل، بيد أن رؤية هذه الجوانب لا تتأتى إلا في لحظات التجلّى التي تنتاب الإنسان في ومضات خاطفة وعابرة، فتتطلب من الدعاة والعاملين في حقل الفكر والثقافة رصيدا هائلا من الصبر ومجاهدة النفس ليظفروا بمدخل من المداخل المسالمة ينفذون منها إلى قلب المستقصَد وعقله، ولعل هذا الجانب من التمثل لأحوال الناس والترفق بمن يدفعه طغيان القوة واستبداد الرأي إلى أن يفرُط لمجرد المكابرة يعد من أخطر جوانب الأمانة التي تحملها الإنسان على ظلمه وجهله، ومن هذه الخطورة تأتي حكمة الله البالغة من تذكير آياته الكريمة بضرورة التحلّي بالصبر ـ وهو أمر من أهم أدوات الأسلوب الاستدراجي ـ والتحذير الدائم من الانزلاق إلى ردود أفعال كثيرا ما تدفع إليها استفزازاتُ الخصم واستثاراتُه المتعمدة، فالصبر ـ ما لم ينحرف الأمرُ عن دائرة القول أو يتجاوزالحوارَـ مطلب دعوي أصيل حتى في الحالات التي قد تبدو وكأنها تشارف المساس بالعقيدة، فهي على قدسيتها لا تبيح للمستفَز (بفتح الفاء) فيها أن يستسلم لهوى النفوس الأمارة التي تتوق بطبيعتها إلى الانتقام.

من نماذج هذا السياق التي تؤصّل هذا الأسلوب وتتجلى فيها مقاصد الاستدراج ومعالمه الرحيمة قول الله تعالى في أمر الوالدين المشركَيْن: ﴿وَوَصَّيْنَا الاِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنُ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنَ اَنَابَ إِلَيَّ﴾(2).

(1) ـ ابن عاشور، المصدر نفسه، ج.7:320.

(2) ـ القرآن الكريم، لقمان: 14 - 15.

٣٨ / ٣٤١