مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٦٤

نلاحظ هنا أنه على الرغم من المجاهدة العنيفة التي يُتوقع عادة أن يبذلها الآباء لمنع أبنائهم من «تسفيه» عقائدهم وعقائد أجدادهم والخروج عن سننهم المألوفة وشعائرهم الموروثة فإن الله تعالى لم يأمر الأبناء في هذا الأمر المصيري الخطير بألاّ يتجاوزوا عدم الطاعة وحسب، وإنما وجههم إلى أن يقابلوا مجاهدة الوالدين بالمصاحبة البارَة، والآية الكريمة لم تستعمل الصحبة (واصحبهما) للتعبير عن المعنى المراد، وإنما فضّلت صيغة المصاحبة لما في وزن المفاعلة من بذل الجهد في وجه طرف عنيد مقاوم شديد المدافعة، لا يستسلم ـ في مسألة يرى فيها كما بزعم مصير ابنه الأبدي ـ بلطف ولين، ولا ييأس من عودته إلى الحظيرة الدينية القديمة بسهولة وبيسر، سيحاول الوالدان استرجاع ما يظنانه فقدا ثمينا مرة بعد أخرى، لأن الغالب على الظن هو ألاّ يتقبل الوالدان محاولات البرّ الأولى من ابنهما، وسيبذلان ما وسعهما من الجهد لاستفزازه والتأثير فيه بما لهما من قوة العاطفة الأبوية التي سيحيلانها عمدا إلى عداء ظاهري وقد يتحول أحيانا إلى شيء من المناكفات الحقيقية والدائمة، ومن هنا جاء التعبير بالفعل «صاحبهما» الدال على المقاومة وتكرار محاولات الوالدين «لاستعادة» أعز ما يملكان، كما يرشد الفعل صاحب في الوقت ذاته إلى وجوب عدم استسلام الابن لأي نفور أو تنفير منهما، وما سمعت البشرية في دنيا المعاملات بتعليمات ارتقت في معالجتها الأخلاقية لأدواء نفسية اجتماعية إلى عدل مطلق وبرّ لا ينتهي مثل هذه التعادلية اللطيفة الرحيمة وهذا التوجيه الرباني الراقي المنصف لطرفي الأسرة التي يحرص الإسلام على حفظها ورعايتها ما أمكن.

كما نجد في توجيه الله تعالى رسوله الكريم محمدا صلى الله عليه وسلم وتذكيره المتكرر بالتزام الصبر في المواقف التي يجنح فيها المكابرون من قومه إلى أساليب «الاستخفاف» والاستفزاز لمضايقته وتيئيسه ملمحاً ربّانياً لطيفاً يشير بوضوح إلى أن ذلك واحد من أهم أدوات الاستدراج المحايدة التي ينبغي أن يركن إليها الداعية عندما يكون الاستدراج القولي غير مجد، يقول تعالى: {وَلَئِن جِئْتَهُم بِئَايَةٍ لَّيَقُولَنَّ الذِينَ كَفَرُوا إِنَ اَنتُمُ إِلاَّ مُبْطِلُونَ (58) كَذَالِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ (59)

٣٩ / ٣٤١