مجلة الحياة، العدد 19 مجلة الحياة

مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٧٠

سادسا: أسلوب الاستدراج العملي

لم يهمل الإسلام الجوانب االإنسانية للنفس البشرية، وإنما حرص على تهذيبها وتوجيهها نحو الخير والفضيلة، فشرع للمسلمين ما يعينهم على توظيف هذهالنوازع الفطرية في سبل الهداية وتبليغ الكلمة الطيبة إلى الناس جميعا، فقد جعل أحد مصارف الزكاة مدخلا إلى قلوب أولئك الذين استمال الإسلام بعض عواطفهم وإن لم يتمكن بعد من امتلاك مشاعرهم لظروف تجعلهم يقفون في مناطق تتأرجح بهم بين التردد والإقدام وبين الحيرة واليقين، وإن سالم أكثرهم بانضمامهم الرسمي إلى دائرة الإسلام، فليس نصيب المؤلفة قلوبهم من الزكاة في حقيقة الأمر إلا استدراج إنساني يعين المستدرجين أنفسهم على إزاحة ما تبقى من غبش رؤيوي في عيونهم، ويعمل على تليين قلوبهم، وإيناس لهم من غربة قد يحسون بها لفقدهم ما كانوا فيه من أبهة وجاه.

ومن المؤشرات الدالة على أصالة هذا المنزع الاستدراجي وتمثله الجلي في مفهوم المؤلفة قلوبهم هو ممارسة النبي صلى الله عليه وسلم لهذا المبدأ بسخاء منقطع النظيرعقب معركة حنين التي كان كل ما تعلق بها وما جرى فيها للمسلمين من بوادر هزيمةٍ لاغترارٍ بكثرة يوحي بنقيض تأليف القلوب أو استدراجها، لقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم «المؤلفة قلوبهم وكانوا أشرافاً من أشراف الناس، يتألّفهم ويتألّف بهم قومهم»،(1) فأعطى من بني أمية أبا سفيان بن حرب وابنه معاوية، ومن بني عبد الدار شيبة بن عثمان، ومن بني مخزوم زهير بن أمية وهشام بن الوليد، ومن بني جمح صفوان بن أمية، وغيرهم كثير(2).

ومن أوضح دلالات الاستدراج في مسألة المؤلفة قلوبهم أن تأتي في أعقاب لحظات النصر المبين، وفي ذلك من الإشارات والإيماءات الصادقة والعميقة ما فيه، وأقرب هذه الإشارات التي تبدو من هذا المسلك الكريم هو أن الغاية التي ينشدها المسلم في سلمه وحربه ومن تدافعه مع الآخر هي تبليغ الرسالة الربانية وهداية الناس،

(1) ـ أبو محمد عبد الملك ابن هشام، السيرة النبوية، تح. محمد شحاته إبراهيم، دار المنار، مج. 2: 273.

(2) ـ ابن هشام، المصدر السابق، مج. 2: 275.

٤٥ / ٣٤١