مجلة الحياة العدد 19 - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٧١لا الانتصار عليهم والانتقام منهم لما قد يكون صدر منهم يوم كانوا منتصرين عليه، وأهم من ذلك وأرقى في دلالاته الأخلاقية في هذا السياق هو أن المسلم ليس مسالما لأنه لا يملك القوة وإنما هو مسالم لأن روح الرسالة التي يدين بها تنحصر أخلاقيا في قيمة الرحمة، ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾(1).
وموقفه صلى الله عليه وسلم مع أبي سفيان ـ وأقول مع ولا أقول من ـ وموقفه مع ابنه لم يكن الأول ولا الأخير لمكانة الرجلين في قريش ولما يمتلكان من حنكة سياسية، فقد كان له عليه السلام مع أبي سفيان موقف استدراجي متميز في لحظة يكاد ينطق فيها لسان حال أبي سفيان بالنفاق القلبي(2)، لو قيست بمعاييرنا التي تترصد الخطأ بعيون مجهرية وتتكفل «بإغلاق منافذ النجاة في وجه النفس البشرية»(3)، لنفضنا منه أيدينا في لحظات، ذلكم بأنه لم يكن من مقام كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم أقوى وأقدر على الانتقام لنفسه ودينه ـ ونفسه لا تنفصل عن دينه ـ وعلى تصفية حسابات المسلمين مع رؤوس الكفر في قريش وما حواليها كما كان الشأن يوم فتح مكة، وقد أمكنه الله من أبي سفيان وأضرابه، ولكن ما الدين وما الرسالة إن لم يكونا لحمة ووشيجة! إنها دعو الإخاء، لم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبل من أبي سفيان ظاهر إيمانه وحسب ـ وهو الذي كان يقول قبل قليل في حق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم: «أمّا هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئا»(4) ـ وإنما جعل له شيئا من الاحترام لمكانته في قومه عندما قال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن»(5)، فلم يكن أمثال تلك القالة لتمنع النبي صلى الله عليه وسلم من أن يقبل من الناس ظواهرهم رحمة بالعالمين ولطفا، واستدراجا لقلوب أشرافٍ تُرتهن وراءها قلوب أخرى، ما تزال تتشبث ـ رغم فطرتها الأولى ـ بأولئك الأشراف، فلتُمكّن بعيدا عنهم من رؤية النور بكل سبل الخير.
(1) ـ القرآن الكريم، الأنبياء: 107.
(2) ـ إن مقالة أبي سفيان قد صرحت في واقع الأمر بذلك.
(3) ـ عباس محمود العقاد، المجموعة الكاملة: العقائد والمذاهب، دار الكتاب اللبناني، بيروت، مج. 11: 325.
(4) ـ ابن هشام، المصدر السابق، مج. 2: 213.
(5) ـ ابن هشام، المصدر السابق، مج. 2: 213.